هذا الموقع قيد المراجعة، لا تعتمد عليه في الأحكام النهائية.
السؤال
إذا كانت الشريعة لا تفرق بين المتشابهات ، فما الفرق بين جواز بيع البعير بالبعيرين إلى أجل ، وبين تحريم إقراض البعير على أن يرده بعيرين ؟ أليس المعنى واحد ؟ كما أن تحريم بيع العينة محرم ؛ لأن له نفس معنى القرض بفائدة ؟
الجواب
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
أولاً : بيع البعير بالبعيرين إلى أجل ، جائز في مذهب جمهور أهل العلم .
جاء في " فتاوى اللجنة الدائمة - المجموعة الأولى " (13/ 278- 279) : " مذهب جمهور العلماء أن ما لا كيل فيه ولا وزن ، كالثياب والحيوان ونحوهما : يجوز بيعه بجنسه أو بغيره ، متساويا أو متفاضلا ، مع نسيئة ؛ ويدل لمشروعية ذلك ما رواه عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال : " جهز رسول الله صلى الله عليه وسلم جيشا على إبل من إبل الصدقة حتى نفدت ، وبقي ناس ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( اشتر لنا إبلا من قلائص الصدقة إذا جاءت ، حتى نؤديها إليهم ) ، فاشتريت البعير بالاثنين ، والثلاث قلائص ، حتى فرغت ، فأدى ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم من إبل الصدقة " رواه الإمام أحمد في مسنده " انتهى . وينظر : "فتح الباري" لابن حجر (4/419) .
والمراد بـ " ما لا كيل فيه ولا وزن " : يعني : غير الأصناف الربوية ، من الثياب ، والحيوان ، ونحوه . قال الشافعي رحمه الله : " وَلاَ بَأْسَ بِالْبَعِيرِ بِالْبَعِيرَيْنِ مِثْلِهِ وَأَكْثَرَ يَدًا بِيَدٍ وَنَسِيئَةً فَإِذَا تَنَحَّى عَنْ أَنْ يَكُونَ فِي مَعْنَى مَا لاَ يَجُوزُ الْفَضْلُ فِي بَعْضِهِ عَلَى بَعْضٍ فَالنَّقْدُ مِنْهُ وَالدَّيْنُ سَوَاءٌ " انتهى من "الأم" (4/70) . وترجم على ذلك الإمام البخاري رحمه الله في صحيحه : " بَاب بَيْعِ الْعَبِيدِ وَالْحَيَوَانِ بِالْحَيَوَانِ نَسِيئَةً . قال : " وَاشْتَرَى ابْنُ عُمَرَ رَاحِلَةً بِأَرْبَعَةِ أَبْعِرَةٍ مَضْمُونَةٍ عَلَيْهِ ، يُوفِيهَا صَاحِبَهَا بِالرَّبَذَة ، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: قَدْ يَكُونُ الْبَعِيرُ خَيْرًا مِنَ الْبَعِيرَيْنِ ، وَاشْتَرَى رَافِعُ بْنُ خَدِيجٍ بَعِيرًا بِبَعِيرَيْنِ ، فَأَعْطَاهُ أَحَدَهُمَا، وَقَالَ: آتِيكَ بِالآخَرِ غَدًا رَهْوًا، إِنْ شَاءَ اللَّهُ ، وَقَالَ ابْنُ الْمُسَيَّبِ : لاَ رِبَا فِى الْحَيَوَانِ الْبَعِيرُ بِالْبَعِيرَيْنِ ، وَالشَّاةُ بِالشَّاتَيْنِ إِلَى أَجَلٍ ، وَقَالَ ابْنُ سِيرِينَ: لاَ بَأْسَ بِبَعِيرٍ بِبَعِيرَيْنِ نَسِيئَة ً، وَدرهم بِدرهم نَسِيئَة " انتهى .
وأما إقراض البعير بشرط أن يرده المقترض بعيرين ، فهذا غير جائز إجماعاً .
قال ابن قدامة رحمه الله (4/ 240) : " وَكُلُّ قَرْضٍ شَرَطَ فِيهِ أَنْ يَزِيدَهُ ، فَهُوَ حَرَامٌ ، بِغَيْرِ خِلَافٍ . قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ الْمُسَلِّفَ إذَا شَرَطَ عَلَى الْمُسْتَسْلِفِ ، زِيَادَةً ، أَوْ هَدِيَّةً ، فَأَسْلَفَ عَلَى ذَلِكَ : أَنَّ أَخْذَ الزِّيَادَةِ عَلَى ذَلِكَ رَبًّا " انتهى .
ثانياً : سبب التفريق بين بيع البعير ببعيرين مؤجلاً ، وإقراض البعير ورده ببعيرين ، إنما هو بسبب النية والقصد ، فنية البيع والمقصود منه مخالف لنية القرض والمقصود منه ؛ ولهذا حصل التفريق بين المسألتين في الحكم .
فالبيع يقصد به المعاوضة والربح والتكسب ؛ ولهذا جازت فيه الزيادة ، وجاز فيه التأجيل في غير الربويات . بخلاف القرض ، فموضوعه ومقصوده ، هو الإرفاق والإحسان بالمقترض ، فلو شُرط عليه أن يرده بزيادة ، خرج القرض عن ذلك المقصود ، وصارت الزيادة فيه ربا.
وتأثير النية على حكم المعاملات ثابت بالإجماع ، فلو أعطي رجلٌ آخر مائة جرام من الذهب قرضا إلى سنة ، كان ذلك جائزا ، بل هو قرض حسن يثاب عليه المقرض ، ولو أعطاه إياها بيعًا على أن يأخذ ثمنها 100 جرام بعد سنة ، كان ذلك حراما ، لأن بيع الذهب بالذهب يشترط فيه التماثل والتقابض . قال ابن القيم رحمه الله : " فهذه النصوص وأضعافها تدل على أن المقاصد تغير أحكام التصرفات من العقود وغيرها ، وأحكام الشريعة تقتضي ذلك أيضا ... . ومن ذلك : أن الله تعالى حرم أن يدفع الرجل إلى غيره مالا ربويا بمثله على وجه البيع ، إلا أن يتقابضا ، وجوز دفعه بمثله على وجه القرض ، وقد اشتركا في أن كلا منهما يدفع ربويا ويأخذ نظيره ، وإنما فرق بينهما القصد ؛ فإن مقصود المقرض إرفاق المقترض ونفعه ، وليس مقصوده المعاوضة والربح ، ولهذا كان القرض شقيق العارية ، كما سماه النبي صلى الله عليه وسلم : "منيحة الوَرِق " فكأنه أعاره الدراهم ثم استرجعها منه ، لكن لم يمكن استرجاع العين ، فاسترجع المثل . وكذلك لو باعه درهما بدرهمين ، كان ربا صريحا ، ولو باعه إياه بدرهم ، ثم وهبه درهما آخر : جاز ، والصورة واحدة ، وإنما فرق بينهما القصد . فكيف يمكن لأحد أن يلغي القصود في العقود ، ولا يجعل لها اعتبارا ؟ " . انتهى من " إعلام الموقعين " (3/81) .
وجاء في " الموسوعة الفقهية " (33/130) : " مَوْضُوعَ عَقْدِ الْقَرْضِ الإِرْفَاقُ وَالْقُرْبَةُ ، فَإِذَا شَرَطَ الْمُقْرِضُ فِيهِ الزِّيَادَةَ لِنَفْسِهِ ، خَرَجَ عَنْ مَوْضُوعِهِ ، فَمَنَعَ صِحَّتَهُ ؛ لأَنَّهُ يَكُونُ بِذَلِكَ قَرْضًا لِلزِّيَادَةِ ، لا لِلإِرْفَاقِ وَالْقُرْبَةِ . وَلأَنَّ الزِّيَادَةَ الْمَشْرُوطَةَ تُشْبِهُ الرِّبَا ؛ لأَنَّهَا فَضْلٌ لا يُقَابِلُهُ عِوَضٌ ، وَالتَّحَرُّزُ عَنْ حَقِيقَةِ الرِّبَا ، وَعَنْ شُبْهَةِ الرِّبَا وَاجِبٌ " انتهى .
وقال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله : " وأصل جواز القرض أنه إرفاق ، وإلا لكان حراماً . ووجه ذلك : أنك لو أردت أن تشتري من إنسانٍ درهماً بدرهمٍ ، بدون قبضٍ في المجلس ، فإنه يكون ربا ، لكن إذا استسلفت منه درهماً على وجه القرض ، وستعطيه له بعد مدة صار ذلك جائزاً ، لماذا ؟ لأنه لا يقصد بهذا القرض المعاوضة والاتجار والتكسب ، وإنما يراد به الإرفاق بالمحتاج ، فإذا خرج عن مقصوده الأصلي ، وهو الإرفاق ، إلى المعاوضة والمرابحة ، صار داخلاً في الربا ؛ لأن ذلك هو الأصل في إبدال الدراهم بالدراهم ، ومن ثم نقول : كل قرضٍ جر منفعةً للمقرض ، فإنه ربا فهو حرامٌ ولا يجوز " . انتهى من " فتاوى نور على الدرب " لابن عثيمين .
ولمزيد الفائدة حول بيع العينة وسبب تحريمها ، ينظر جواب السؤال رقم : (105339) .
والله أعلم .
فتاوى أخرى من مكتبتنا في الموضوع نفسه