هذا الموقع قيد المراجعة، لا تعتمد عليه في الأحكام النهائية.
السؤال
ما معنى حديث :(الصعيد الطيب طهور المسلم) ؟ وما هي بقية الحديث ، وأرجو توضيح المعنى بلغة سهلة ؛ لأني من العامة .
الجواب
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
رزقنا الله وإياكم فقه دينه ، وثبتنا وإياكم على مراضيه . آمين .
هذا الحديث المذكور في السؤال: حديث صحيح .
أخرجه الإمام أحمد في "المسند" (21304) ، وأبو داود في "سننه" (333) ، والترمذي في "سننه" (124) ، من حديث أبي ذر الغفاري ، رضي الله عنه ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: إِنَّ الصَّعِيدَ الطَّيِّبَ طَهُورُ الْمُسْلِمِ ، وَإِنْ لَمْ يَجِدِ الْمَاءَ عَشْرَ سِنِينَ ، فَإِذَا وَجَدَ الْمَاءَ فَلْيُمِسَّهُ بَشَرَتَهُ ، فَإِنَّ ذَلِكَ خَيْرٌ.
والحديث صحيح ، صححه النووي في "المجموع" (1/94) ، وقوى إسناده ابن حجر في "فتح الباري" (1/235) ، وصححه الشيخ الألباني في "صحيح أبي داود" (358) .
والحديث يتعلق بالتيمم كما هو واضح من سياق الحديث .
ومعلوم أن الله تعالى افترض على المسلم الطهارة للصلاة ونحوها ، وأوجب على المسلم أن يستعمل الماء الطهور في الوضوء والغسل من الجنابة والحيض .
ونظرا لأنه ربما يبحث المسلم أو المسلمة عن الماء للوضوء أو الغسل من الجنابة أو الحيض فلا يجده ، أو ربما وجد الماء ، لكن لا يستطيع استعماله لأجل المرض مثلا ، أو ربما وجد الماء لكنه يحتاجه لشربه أو شرب دوابه ، ففي مثل هذه الأحوال: أباح الله تعالى للمسلم أن "يتيمم" لطهارته، فيستعمل التراب ونحوه بدلا عن الماء ، وذلك بأن يضرب بيديه على التراب الطاهر ، أو على أي شيء طاهر من وجه الأرض ، ثم يمسح كفيه ووجهه ، وذلك بنية الطهارة، وهذا الفعل هو التيمم .
وقد بين الله تعالى ذلك في كتابه .
وقد أجمع علماء المسلمين على مشروعية التيمم عند فقد الماء ، أو عند العجز عن استعماله .
قال ابن عبد البر في "التمهيد" (19/270) :" وَأَجْمَعَ عُلَمَاءُ الْأَمْصَارِ بِالْحِجَازِ وَالْعِرَاقِ وَالشَّامِ وَالْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ ، فِيمَا عَلِمْتُ: أَنَّ التَّيَمُّمَ بِالصَّعِيدِ ، عِنْدَ عَدَمِ الْمَاءِ : طَهُورُ كُلِّ مَرِيضٍ ، أَوْ مُسَافِرٍ ، وَسَوَاءٌ كَانَ جُنُبًا ، أَوْ عَلَى غَيْرِ وُضُوءٍ ؛ لَا يَخْتَلِفُونَ فِي ذَلِكَ "انتهى .
أما شرح الحديث الذي أورده السائل ، فهو كما يلي :
قول النبي صلى الله عليه وسلم :" إن الصعيد الطيب طهور المسلم ".
في هذه الجملة ثلاث كلمات :
الأولى : " الصعيد " ، هو ما صعد وارتفع على وجه الأرض .
وقد جاءت هذه اللفظة في آية التيمم السابقة في قوله تعالى : فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا .
وقد اختلف أهل العلم في المقصود بالصعيد ، هل هو التراب خاصة، أم هو وجه الأرض، وإن كان رملا ونحوه، مما ليس بتراب؟
فمنهم من قال بأنه التراب فقط ، ومنهم من قال هو كل ما صعد على وجه الأرض من تراب وحجر ورمل وصخر .
قال العراقي في "طرح التثريب" (2/99) :" وَقَدْ اخْتَلَفُوا فِي الْمُرَادِ بِالصَّعِيدِ: فَقَالَ مَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَالثَّوْرِيُّ وَمُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ: الصَّعِيدُ وَجْهُ الْأَرْضِ، وَقَالُوا الصَّعِيدُ كُلُّ مَا صَعِدَ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ مِنْ تُرَابٍ وَحَجَرٍ وَرَمْلٍ وَحْصًا وَنَوْرَةٍ وَزِرْنِيخٍ وَجِصٍّ وَرُخَامٍ ...
وَذَهَبَ أَكْثَرُ الْفُقَهَاءِ ، وَمِنْهُمْ الشَّافِعِيُّ وَأَبُو يُوسُفَ وَأَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ وَابْنُ الْمُنْذِرِ وَدَاوُد الظَّاهِرِيُّ : إلَى أَنَّ الصَّعِيدَ هُوَ التُّرَابُ فَقَطْ ، دُونَ سَائِرِ أَجْزَاءِ الْأَرْضِ " انتهى.
وقد سبق بيان القول الراجح في هذه المسألة، وأنه يجوز التيمم بغير التراب من أجزاء الأرض ، إذا لم يجد ترابا؛ وهذا هو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، وغيره.
ينظر جواب السؤال رقم : (264397) ، ورقم : (36774) .
الثانية : " الطيب " ، وهو وصف للصعيد ، والمقصود به الطاهر من النجاسات .
قال ابن حجر في "فتح الباري" (1/447) :" الصَّعِيدُ الطَّيِّبُ أَيْ أَنَّ الْمُرَادَ بِالطَّيِّبِ الطَّاهِرُ ". انتهى.
وفي هذا بيان لشرط التراب ونحوه ، مما يقع التيمم به: أن يكون طاهرا في نفسه؛ وإلا ، فإن ما هو نجس في نفسه، أو متنجس بغيره من النجاسات: لا يصح التيمم به .
الثالثة : " طهور " : أي مُطهر للمسلم عند استعماله، بالطريقة التي جاء بها الشرع ، فيصبح المسلم بعد التيمم طاهرا، وتحل له له الصلاة ونحوها بهذه الطهارة؛ إلا أن طهارته هذه مقيدة بأجل، كما سيأتي بيانه .
قول النبي صلى الله عليه وسلم :" وإن لم يجد الماء عشر سنين ".
أي لو أن المسلم فقد الماء ، أو عجز عن استعماله لمدة طويلة : جاز له أن يتيمم ، حتى لو بلغت المدة عشر سنين أو أكثر .
قال الخطابي في "معالم السنن" (1/103) :" ومعنى قوله ولو إلى عشر سنين ، أي أن له أن يفعل التيمم ، مرة بعد أخرى ، وإن بلغت مدة عدم الماء واتصلت إلى عشر سنين " انتهى.
قول النبي صلى الله عليه وسلم :" فإذا وجد الماء فليمسه بشرته ".
أي : أن المسلم الذي فقد الماء ، أو عجز عن استعماله ، يجوز له التيمم ما دام فاقدا للماء ، أو عاجزا عن استعماله ، فإذا وجد الماء ، أو زال العذر ، وجب عليه حينئذ أن يستعمل الماء في الوضوء ، وأن يغتسل إن كان جنبا ، أو كانت امرأة حائضا ، لأن التيمم كان رخصة من الله ، وتيسيرا منه عند فقد الماء، لاستباحة الصلاة ونحوها ، فإذا حضر الماء وجب إزالة الحدث ، وذلك بالاغتسال.
وفي هذا بيان أن الطهارة التي تحصل بالتيمم : طهارة مقيدة بمدة فقد الماء، أو العجز عن استعماله، فإذا وجد الماء، أو قدر عليه، زال حكم هذه الطهارة بالتيمم ، ووجب عليه أن يتحول إلى الطهارة بالماء ، فيغتسل ، أو يتوضأ .
وينظر للفائدة : جواب السؤال رقم : (204760) .
وفي الحديث الذي أخرجه البخاري في "صحيحه" (344) ، أن النبي صلى الله عليه وسلم كان مع أصحابه في سفر ، فصلى بهم ، قال عمران : " فَلَمَّا انْفَتَلَ مِنْ صَلاَتِهِ إِذَا هُوَ بِرَجُلٍ مُعْتَزِلٍ لَمْ يُصَلِّ مَعَ القَوْمِ، قَالَ:مَا مَنَعَكَ يَا فُلاَنُ أَنْ تُصَلِّيَ مَعَ القَوْمِ؟ قَالَ: أَصَابَتْنِي جَنَابَةٌ وَلاَ مَاءَ ، قَالَ: عَلَيْكَ بِالصَّعِيدِ ، فَإِنَّهُ يَكْفِيكَ .. ثم أصاب الناس العطش ، فلما وجد النبي صلى الله عليه وسلم الماء ، أَعْطَى الَّذِي أَصَابَتْهُ الجَنَابَةُ إِنَاءً مِنْ مَاءٍ، قَالَ:اذْهَبْ فَأَفْرِغْهُ عَلَيْكَ ) .
وينظر في صفة التيمم جواب السؤال رقم : (21074) .
فالحمد لله حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه ، على ما يسّر للعباد من دينه ، ورفع عنهم من الحرج ، إنه جواد كريم .
فتاوى أخرى من مكتبتنا في الموضوع نفسه