هذا الموقع قيد المراجعة، لا تعتمد عليه في الأحكام النهائية.
السؤال
قرأت إجابتكم المتعلقة بالأدوية الطبية والتي قد تؤدي الى الوفاة ، لكن سؤالي مختلف بعض الشيء ، فهناك بعض الناس هنا في الولايات المتحدة - وهم كثر - يصابون بأمراض خبيثة - والعياذ بالله - ولا طريقة لعلاجهم إلا باستئصال أو بتر عضو من أعضائهم ، وما لم يفعل ذلك فإن الموت هو النتيجة الحتمية ، فبعض هؤلاء المرضى يرفض الخضوع لعملية الاستئصال أو البتر ويفضل الموت ؛ لأنه يرى أن الموت أفضل من العيش مشوَّهاً مقعداً ، فهل يُعتبر هذا انتحاراً ؟ وما حكم هؤلاء الأشخاص ؟ .
الجواب
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
أولاً : اختلف العلماء في حكم التداوي ، وقد سبق في جواب السؤال رقم (2148) أن ذلك يختلف باختلاف الأحوال والأشخاص . ثانياً : إذا أصيب الإنسان بمرض يؤدي إلى الموت ، ولا سبيل إلى إنقاذه منه إلا بقطع العضو المريض من جسمه ، فقطعه واجب ، فإذا لم يفعل ومات بسبب ذلك فهو نوع من الانتحار . وقد نص العلماء رحمهم الله على بعض الصور القريبة مما جاء في السؤال . قال ابن هبيرة – رحمه الله - : "لو ترك تاركٌ جرحَه يسيل دمه فلم يعصبه حتى سال منه الدم فمات : كان عاصياً لله تعالى قاتلاً لنفسه" .انتهى انظر " الآداب الشرعية " لابن مفلح الحنبلي ( 2 / 349 ) . وفي " الموسوعة الفقهية " ( 34 / 53 ) : "للحر البالغ العاقل قطع سِلْعة - أي : ورم ونحوه - من جسده لا خطر في قطعها ، ولا في تركها ؛ لأن له غرضا في إزالة الشيْن ، فإن كان في قطعها خطر على نفسه بقول طبيبين أو طبيب ثقة ولا خطر في تركها ، أو زاد خطر القطع : فلا يجوز له قطعها ؛ لأن ذلك يؤدي إلى هلاك نفسه ، والله يقول ( وَلاَ تُلْقُوا بِأَيْدِيكُم إِلَى التَّهْلُكَةِ ) البقرة/ 195 . وإن قال الأطباء : إن لم يقطع حصل أمر يفضي إلى الهلاك : وجب القطع ، كما يجب دفع المهلكات ، ومثل السلعة العضو المتآكل في الأحكام" انتهى . وفي ( 6 / 283 ، 284 ) قالوا : "الامتناع من التداوي في حالة المرض لا يعتبر انتحاراً عند عامة الفقهاء ، فمن كان مريضاً وامتنع من العلاج حتى مات : لا يعتبر عاصيا ، إذ لا يتحقق بأنه يشفيه . كذلك لو ترك المجروح علاج جرح مهلك فمات : لا يعتبر منتحراً ، بحيث يجب القصاص على جارحه ، إذ البرء غير موثوق به وإن عالج . أما إذا كان الجرح بسيطا والعلاج موثوقا به ، كما لو ترك المجني عليه عصب العِرق : فإنه يُعتبر قد قتل نفسه ، حتى لا يسأل جارحه عن القتل عند الشافعية ... . فيفهم منه : أن ترك الجرح اليسير لنزف الدم حتى الموت يشبه الانتحار" انتهى مختصراً . والبقاء مشوَّهاً بعد قطع العضو المتآكل أو العضو المريض : ليس عذراً يبيح للمريض إبقاءه ، كما أنه يحرم قطع الورم إن كان قطعه يؤدي إلى الوفاة ، ولو قصد بقطعه إزالة العيب والتشوه . جاء في " الموسوعة الفقهية " ( 19 / 207 ، 208 ) : "يحرم على الشخص قطع غدة أو عضو متآكل إذا كان في القطع خطر على النفس ، وليس في بقائهما خطر أو زاد خطر القطع ، وإن كانت تشينه ؛ لأنه قد يؤدي إلى هلاك نفسه . أما إذا لم يكن في إزالتها خطر : فله إزالتها ، لإزالة الشين . وإن تساوى الخطران أو زاد خطر الترك : فله قطعها" انتهى . والخلاصة : أنه إذا كان المرض الذي أصاب العضو يسري في بدنه ويكون مسببا للوفاة ، وليس هناك طريقة لعلاجه إلا بقطع العضو : فإنه يجب قطع العضو المريض . قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله - : "فإن الناس قد تنازعوا في التداوي هل هو مباح أو مستحب أو واجب ؟ . والتحقيق : أن منه ما هو محرم ، ومنه ما هو مكروه ، ومنه ما هو مباح ، ومنه ما هو مستحب ، وقد يكون منه ما هو واجب وهو : ما يُعلم أنه يحصل به بقاء النفس لا بغيره ، كما يجب أكل الميتة عند الضرورة ؛ فإنه واجب عند الأئمة الأربعة وجمهور العلماء ، وقد قال مسروق : "من اضطر إلى أكل الميتة فلم يأكل حتى مات دخل النار" ، فقد يحصل أحيانا للإنسان إذا استحرَّ المرض ما إن لم يتعالج معه مات ، والعلاج المعتاد تحصل معه الحياة كالتغذية للضعيف وكاستخراج الدم أحياناً". انتهى من مجموع الفتاوى (18 / 12) . ولمزيد الفائدة ينظر جواب السؤال رقم : (2148) ، (81973) . والله أعلم
فتاوى أخرى من مكتبتنا في الموضوع نفسه