هذا الموقع قيد المراجعة، لا تعتمد عليه في الأحكام النهائية.
السؤال
طلق رجل امرأته وقال لها: أنت طالق بالثلاث في لفظ واحد، وفي حالة غضب. فهل تعتبر طلقة أم ثلاث؟ وقد قمت بسؤال أحد المشايخ فأجابني بأنها طلقة؟ جزاكم الله خيرًا عنا وعن جميع المسلمين.
الجواب
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه، أما بعد: فمن طلق امرأة ثلاثاً بلفظ واحد، كأن قال لها: أنت طالق ثلاثاً، أو أنت طالق طالق طالق، ولم يرد التأكيد؛ فقد عصى الله ورسوله، وأثم بهذا. قال تعالى: الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ [البقرة: 229]. وقال صاحب فتح القدير: أَيِ: الطَّلَاقُ الَّذِي تَثْبُتُ فِيهِ الرَّجْعَةُ لِلْأَزْوَاجِ هُوَ مَرَّتَانِ، أَيِ: الطَّلْقَةُ الْأُولَى وَالثَّانِيَةُ، إِذْ لَا رَجْعَةَ بَعْدَ الثَّالِثَةِ، وَإِنَّمَا قَالَ سُبْحَانَهُ: مَرَّتانِ وَلَمْ يَقُلْ طَلْقَتَانِ إشارة إلى أن يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الطَّلَاقُ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ، لَا طَلْقَتَانِ دَفْعَةً وَاحِدَةً. انتهى. وعن محمود بن لبيد -رضي الله عنه- قال: أخبر رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عن رجل طلق امرأته ثلاث تطليقات جميعاً، فقام غضبان ثم قال: أيلعب بكتاب الله وأنا بين أظهركم؟ حتى قام رجل فقال: يا رسول الله ألا أقتله؟ رواه النسائي. وهذا الطلاق يسمى طلاقاً بدعياً لمخالفته السنة من جهة العدد، إذ البدعة تدخل الطلاق من جهة العدد ومن جهة الزمن، فالطلاق زمن الحيض أو في طهر جامعها فيه يعد طلاقاً بدعياً. وكذا من جمع الثلاث في لفظ واحد.
وقد اختلف أهل العلم فيمن أوقع الطلقات الثلاث دفعة واحدة: هل تلزمه الطلقات الثلاث، فلا تحل له زوجته إلا بعد أن تنكح زوجاً غيره وتعتد منه، أم أنها تكون طلقة واحدة له إرجاعها ما دامت في عدتها، وبعد انتهاء العدة يعقد عليها ولو لم تنكح زوجاً غيره؟. اختلفوا في ذلك مع اتفاقهم على أنه يأثم بذلك لمخالفته السنة. فذهب جمهور أهل العلم ومنهم الأئمة الأربعة وجمهور الصحابة والتابعين إلى وقوع الطلاق الثلاث بكلمة واحدة إذا قال: "أنت طلاق ثلاثاً أو بالثلاثة" واستدلوا بحديث ركانة بن عبد الله: أنه طلق امرأته البتة" فأخبر النبي -صلى الله عليه وسلم- بذلك فقال له: والله ما أردت إلا واحدة
وأما طلاق الحائض فهل يقع؟ قال ابن قدامة: فإن طلق للبدعة وهو أن يطلقها حائضاً، أو في طهر أصابها فيه أثم ووقع طلاقه في قول عامة أهل العلم، قال ابن المنذر وابن عبد البر: لم يخالف في ذلك إلا أهل البدع والضلال. انتهى.
وذهب شيخ الإسلام ابن تيمية إلى عدم وقوعه، والراجح: قول جمهور عامة أهل العلم، ولأن ابن عمر لما طلق زوجته وهي حائض، وأمره النبي بمراجعتها قد عدت منه طلقة، كما قال أهل العلم، ولما رواه ابن أبي شيبة في مصنفه عن أنس بن سيرين قال: قلت لابن عمر احتسب بها قال: فقال: فمه. يعني التطليقة. وقد أخذت كثير من المحاكم بقول شيخ الإسلام ابن تيمية، فمن أراد الرجوع إليها فله ذلك.
ثم نتوجه إليك بالنصيحة فنقول: إنه ليس كل خلاف بين الزوجين يكون حله بالطلاق، بل التفاهم والتروي، فهما أساس حل كل مشكلة فعظ زوجتك إن رأيت منها قصوراً، فإن امتثلت للحق والرشد وإلا فاهجرها، ولا تهجر إلا في المضجع فتنامان في موضع واحد توليها ظهرك ولا تجامعها، فإن رشدت وأذعنت للحق فبها، وإلا فاضربها ضرباً غير مبرح، فإن رشدت، وإلا فالجأ إلى التحكيم بإرسال حكم من أهلك وحكم من أهلها، فإن أردتما الإصلاح وفق الله بينكما قال تعالى: وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا، وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا [النساء: 34، 35]. ولا تتسرع في الطلاق فتندم بعد ذلك وتشرد أسرتك وأولادك.
وأما الطلاق أثناء الغضب، فإن كنت لا تدري مما قلت شيئًا، وأغلق على عقلك بسببه، ولم تع ما تقول؛ فلا يعتبر هذا الطلاق، لقوله صلى الله عليه وسلم: لا طلاق ولا عتاق في إغلاق. رواه ابن ماجه والحاكم. ولكن هذه حال نادرة الوقوع.
وأما إذا كنت غضبان، ولكن هذا الغضب لم يغيب وعيك، فإن ما تتلفظ به تحاسب عليه ويقع منك. والله أعلم
فتاوى أخرى من مكتبتنا في الموضوع نفسه