هذا الموقع قيد المراجعة، لا تعتمد عليه في الأحكام النهائية.
السؤال
التوسل بالأنبياء والأئمة -عليهم السلام-، وأولياء الله، وعباده الصالحين، يتمثل في ثلاثة وجوه: الوجه الأول: الحضور عندهم لطلب الحاجة، سواء في ذلك الحضور عندهم أحياء أو عند قبورهم، وهذا مما ورد في الكتاب العزيز، قال تعالى: «ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاؤوك فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول لوجدوا الله توابًا رحيمًا». فنفس الحضور عند الرسول يؤثر في استجابة الدعاء. والسر في ذلك أن الإنسان يقرب من الله تعالى في مواضع وحالات؛ فالمواضع منها: المساجد، وكل موضع يصلي فيه المؤمنون وإن لم يكن مسجدا -كالمصلى في دائرة أو فندق-. فالإنسان هناك أقرب إلى الله في غيره، فأولى به أن يكون أقرب إذا حضر عند الرسول أو الإمام أو عالم متعبد يذكر الإنسان بالله تعالى، فإن القرب والبعد إنما هو من جانب الإنسان، والله تعالى أقرب إلى كل إنسان من نفسه؛ قال تعالى: ونحن أقرب إليه من حبل الوريد. ونسب الأشياء إليه تعالى واحدة، وإنما البعد يحصل للإنسان من جهة معاصيه وتوجهه إلى الدنيا وملاهيها، فكل موضع يشعر فيه بالقرب ويذكره بالله تعالى يؤمّل فيه استجابة الدعاء؛ قال تعالى: «في بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه يسبح له فيها الغدّو والآصال رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله ...». بل هناك مواضع يشعر الإنسان فيها بالقرب من الله وإن لم تكن لها قدسية ككونه تحت السماء، ولذلك أمر ببعض الصلوات والأدعية أن يخرج الإنسان بها من تحت السقوف إلى ما تحت السماء والصحراء؛ فإن الإنسان يشعر فيها بقربه من الله، ولذلك أمر في صلاة العيد والاستسقاء أن يصحروا بهما. وهناك حالات للإنسان تؤثر فيه بشعور القرب، كالبعد عن زخارف الدنيا، ولذلك أمر الحاج بلبس ثوبي الإحرام، والتنعل، وكشف الرأس. كل ذلك للتأثير في الإنسان أن يشعر بالقرب، وإلا فلا شيء يؤثر في الله تعالى، بل الدعاء والصلاة أيضا للتأثير في الإنسان، فرحمة الله واسعة شاملة، وعلى الإنسان أن يصقل مرآة نفسه ليمكنه الاستضاءة من هذا النور الغامر. والصلاة والدعاء وغيرهما من العبادات تحقق الأرضية الصالحة لاستقبال أنوار الرحمة الإلهية. فكذلك التوسل والحضور لدى الرسول -صلى الله عليه وسلم- والأئمّة -عليهم السلام-، وكل من يذكر الإنسان بالله تعالى يؤثر في ذلك. ولا فرق في ذلك بين ميتهم وحيهم، وذلك لأن المفروض أن المراد تأثر الإنسان بقدسية المكان، وهو حاصل في كلا الموردين، مع أنهم لا يقصرون مقاما عند الله من الشهداء في سبيله، وقد قال تعالى: ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون. بل حياة النبي صلى الله عليه وسلم-، والأئمة -عليهم السلام- أقوى وأعظم، بل يظهر من بعض النصوص أن الإنسان أقوى حياة بعد موته حتى الكفار. ففي الحديث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم- وقف على شفير قليب بدر، وخاطب الكفار المقتولين بما معناه: قد وجدت ما وعدني ربي حقا، فهل وجدتم ما وعد ربكم حقا؟ فتعجب أصحابه، وقالوا: إن هؤلاء أموات، فكيف تخاطبهم يا رسول الله؟! -أو كما قالوا- فقال لهم الرسول صلى الله عليه وسلم-: لستم بأسمع منهم، ولكنهم لا يقدرون على الجواب. ويلحق بهذ الأمر -أي: الحضور عند النبي والولي- التوسل بأسمائهم وأرواحهم وإن لم يحضر عندهم، وذلك بأن يدعو الله تعالى، ويطلب منه حاجته مع الاستشفاع بذكر الرسول أو الإمام، وهذا أيضا يؤثر في الإنسان من جهة أنه يرى نفسه تابعا لهؤلاء، مهتديا بهداهم، سالكا سبيلهم، محبا لهم، وليس هذا الحب والولاء والمتابعة إلا لأنهم أولياء الله وأصفياؤه، وبذلك يوجب القرب من الله تعالى، ويدخل في قوله سبحانه: (يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وابتغوا إليه الوسيلة). والإمام هو من جعله الله تعالى مثلا للناس يقتدون به، فإنه للطفه بعباده لم يكتف بإرسال الشريعة والكتب، بل جعل للناس من أنفسهم مثلا يستنون بسنتهم، ويحتذون بسيرتهم؛ قال تعالى: «وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا»، ويوم القيامة يحاسب أعمال الناس بالقياس إلى أئمتهم؛ قال تعالى: «يوم ندعو كل أناس بإمامهم فمن أوتي كتابه بيمينه». وعلى ذلك؛ فلا استغراب أن يكون في ذكر الإمام والتوسل به، تقرب إلى الله تعالى، فهو كما يذكّر الإنسان بربه عملا وقولا وشمائلا ، كذلك يذكّره بربه إذا تذكره، وتذكر أفعاله وتعبده لله تعالى. الوجه الثاني: أن يطلب من النبي أو الولي أن يدعو الله تعالى ليقضي حاجته. وهذا أيضا مما ورد في الآية السابقة حيث قال تعالى: «واستغفر لهم الرسول...». بل هذا مما لا شك ولا خلاف في جوازه وتأثيره حتى بالنسبة لغير النبي والإمام من عامة المؤمنين، وقد ورد بذلك أحاديث كثيرة في كتب العامة والخاصة. ومما يلفت النظر في هذا الأمر أن الله تعالى خلق ملائكة يدعونه تعالى، ويستغفرون للمؤمنين، قال سبحانه: «الذين يحملون العرش ومن حوله يسبحون بحمد ربهم ويؤمنون به ويستغفرون للذين آمنوا ربنا وسعت كل شيء رحمة وعلما فاغفر للذين تابوا واتبعوا سبيلك...
الجواب
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه، أما بعد:
ففي هذا الكلام مغالطات كثيرة ومخالفات شديدة، وأصل ذلك في التسوية بين الحي والميت في التوسل بدعائه، كما في عبارة: (سواء في ذلك الحضور عندهم أحياء أو عند قبورهم)، وعبارة: (ولا فرق في ذلك بين ميتهم وحيهم)!
ثم بعد ذلك توسيع الانحراف بالتسوية بين التوسل بهم عند قبورهم، والتوسل بهم بعيدًا عنها. وبإلحاق غير الأنبياء بهم!! حيث يقول: (ويلحق بهذا الأمر ـ أي الحضور عند النبي والولي ـ التوسل بأسمائهم وأرواحهم وإن لم يحضر عندهم)!! ومن التحريف والتزييف قوله: (ويوم القيامة يحاسب أعمال الناس بالقياس إلى أئمتهم، قال تعالى: {يَوْمَ نَدْعُو كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ فَمَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَأُولَئِكَ يَقْرَءُونَ كِتَابَهُمْ وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا} [الإسراء: 71])!! فمال هذه الآية وما يريده صاحب المقال من قياس أعمال الناس بأعمال أئمتهم؟! قال الجلال المحلي في تفسيره: {يوم ندعو كل أناس بإمامهم} نبيهم، فيقال: يا أمة فلان. أو بكتاب أعمالهم، فيقال: يا صاحب الشر. اهـ. ورجح ابن كثير أن الإمام في هذه الآية هو كتاب الأعمال، وقال: هذا القول هو الأرجح؛ لقوله تعالى: {وكل شيء أحصيناه في إمام مبين} [يس: 12]، وقال تعالى: {ووضع الكتاب فترى المجرمين مشفقين مما فيه ويقولون يا ويلتنا مال هذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها ووجدوا ما عملوا حاضرا ولا يظلم ربك أحدا
والله أعلم.
فتاوى أخرى من مكتبتنا في الموضوع نفسه