هذا الموقع قيد المراجعة، لا تعتمد عليه في الأحكام النهائية.
السؤال
أنا طبيب مسلم تونسيّ، أدركت بعض علماء الزيتونة فأخذت عنهم نصيبا من أصول الفقه، والتجويد بالقراءات العشر مع ما لا بد منه من نحو وصرف وبلاغة للتعمق في التجويد. ومذ حكمنا عربي، حورب الإسلام وجففت منابعه خاصة بإلغاء التدريس بجامع الزيتونة وهو أقدم جامعة إسلامية إطلاقا وأنجبت العديد من العلماء الأجلاء. فاتجه مسلمو تونس إلى الفضائيّات والإنترنت وأخذ العديد منهم العلوم الإسلاميّة بدون شيوخ ومنهم السنة ومنهم الشيعة ومنهم المعتدل والمتطرف ومن جميع الفرق. وظهرت في تونس فرقة الوهابيين وهم أتباع الشيخ عبد الوهاب ومن تبعه من العلماء وسموا أنفسهم سلفيين وأهل الجماعة والسنة، ولكن المالكية أكثر سلفية منهم، فالإمام مالك تابع تابعي والشيخ عبد الوهاب معاصر. ولكنهم حاربوا المالكية والأحناف في تونس بدعوى أنهم يأخذون من الدليل ولا يعترفون بالمذاهب وهذا تعصب. فإنهم يقولون إن الإمام مالك لا يملك عصمة الأنبياء فهو يؤخذ منه ويرد عليه وينسون أن الشيخ عبد الوهاب ليست له أيضا عصمة الأنبياء فهو يؤخذ منه ويرد عليه بتطبيق نفس القاعدة عليه. ويدعون باطلا أنّ بعض الأحاديث لم تصل إلى الإمام مالك أو الإمام أبي حنيفة وبالتمحيص اتضح أن جلها وصلت إليهما إذا وقع نقاشها. وما لم يصلهما من الأحاديث فقد وصل قطعا لفقهاء المذهبين من بعدهما. ويدعون أن اجتهادات المحدث الشيخ الألباني هي حقيقة مطلقة وفي الحقيقة فقد وافقه العلماء في بعضها وخالفه في بعضها الآخر إذ ليست له عصمة الأنبياء. ومن يقول بأن اجتهادات واختيارات وترجيحات الشيخ عبد الوهاب في مختلف المسائل الفقهية هو الحقيقة المطلقة التي لا تتعدد فقد أشرك بالله تأليها للشيخ عبد الوهاب الذي هو رغم علمه الغزير بشر لا يملك عصمة الأنبياء ولا يوحي إليه ولا يعلم الغيب. وهذا لأن جميع آراء العلماء ظنية قد تصيب مراد الله تعالى وقد لا تصيب. ولو علم عالم بمراد الله تعالى في مسألة معينة لتوقف الاجتهاد بشأنها. فالترجيح بين مختلف الآراء يلزم صاحبه ومن تبعه ولا يجوز إلزام الغير بترك جميع الآراء الأخرى الصادرة عن علماء معتمدين ومشهود لهم بالعلم والتقوى والورع وإلا فهو التعصب. وقد مارست في تونس هذه الفرقة التعصب بهذا المعنى. فعندما ألقى الله تعالى الرعب في قلب الطاغية ونزع منه الملك خططت هذه الفرقة المتعصبة لتستولي على المساجد، وقد نجحوا في الاستحواذ على ثلث مساجد البلاد تقريبا رغم معارضة مالكية وأحناف تونس. فكانوا يعطون للقائم بشؤون البيت بضعة آلاف الدنانير لتسلم مفاتيح المسجد ويزيلون بعض الأئمة بالقوة (هراوات وسيوف) وبالتجمهر والمظاهرات. وقاموا بجمع كل ما خالفهم من الكتب ككتب المالكية والأشعرية وأقاموا لها محارق. وقاموا بالتكفير والتبديع وهم ناقصو علم وغير أكفاء. فكنت أسأل العديد منهم عن مسائل بسيطة في إعراب القرآن فيعجزون عن الإجابة ودون اللجوء إلى المسائل التعجيزيّة. وهذا يدل على استحالة الكفاءة في الاجتهاد فهم إذن ناقلون لآراء الغير. ومنهم من سب الإمام مالك رضي الله عنه واعتدى على العلماء وقذفهم. ووقعت الفتنة والبلبلة في المساجد وانقسمت إلى مساجد سنية (مالكية وحنفية) وأخرى سلفية. وهجرت المسجد المجاور لي خوفا من اعتداءاتهم وتكفيرهم إذ أنا أشعريّ (مثل القاضي عياض) والخلاف بين العقيدتين الأشعرية والطحاوية يسير ولا يتعدى الفروع. وهم يمنعون الاحتفال بالمولد والتكبير في أيام التشريق، والسدل في الصلاة، وأغلبية المسلمين في تونس لا يسمعون لهم ويخالفونهم وإنما يصلون وراءهم على مضض، ويتجنبون الخوض في المسائل الخلافية التي يتعصبون فيها بادعاء أن الرأي الصائب والأوحد والذي وصل إلى الحقيقية المطلقة المعبرة عن مراد الله تعالى هو رأي الشيخ عبد الوهاب ومن تبعه دون سواه من الآراء. فكأن كل من خالف اجتهادات واختيارات وترجيحات الشيخ عبد الوهاب سيدخل النار. ومن تعصبهم أنهم قاطعوا الانتخابات ولم يترشحوا لها وكان واجبا عليهم تعزيز مواقف المسلمين فيها حيث إننا حصلنا على خمسي المقاعد فقط. وفي مصر لم يتحالف الوهابيون مع الإخوان. إنهم رغم واجب الأخوة يضرون بالإسلام والمسلمين. ونحن نحترمهم ونقدر فيهم الإسلام والأخوة ولكننا نرفض تعصبهم المثير للفتنة والفرقة. وإننا لنحتفل بالمولد ونتوسل برسول الله صلى الله عليه وسلم، ونسدل في الصلاة، ونكبر في أيام التشريق، ولا نعيب عليهم مخالفتنا معتقدين بأن هذه المسائل خلافية ولكنهم لا يعترفون بوجود المسائل الخلافية ويحاربون كل من خالفهم من المسلمين بشدة إذ هم أشداء على المالكية والأحناف ورحماء بكفار تونس. والسؤال هنا: ماذا نفعل معهم وكيف نتصرف معهم ؟ ولكم جزيل الشكر.
الجواب
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه، أما بعد:
فنشكر للسائل الكريم تواصله معنا، وغيرته على دينه، ونسأل الله تعالى أن يجمع كلمة المسلمين على ما يرضيه، وأن يصلح ذات بينهم، وأن يؤلف بين قلوبهم .. وأما بخصوص القضايا التي أثارها الأخ السائل، فهي كثيرة ومتشعبة، ونعجز هنا في مجال الفتوى عن إعطائها حقها من البحث والتحرير، ولكن ما لا يدرك كله لا يترك كله أو جله. وسنحاول أن نشير إليها في نقاط منفصلة؛ طلبا للإيضاح، فنقول وبالله التوفيق: ـ أولا: أهل العلم الثقات المشهود لهم بالفضل، ولا سيما الأئمة منهم، يجب أن يعطوا قدرهم من التوقير والتبجيل، مع الاعتراف أنهم يصيبون ويخطئون، فالأمر كما قال الإمام مالك ـ رحمه الله ورضي عنه ـ : إنما أنا بشر أخطئ وأصيب، فانظروا في رأيي فكل ما وافق الكتاب والسنة فخذوا به، وكل ما لم يوافق الكتاب والسنة فاتركوه. وقال أيضا: ما منا إلا رادٌ ومردود عليه إلا صاحب هذا القبر صلى الله عليه وسلم. وقد اتفق على ذلك بقية الأئمة الأربعة والراسخون من أهل العلم. قال الإمام أبو حنيفة رحمه الله: إذا قلت قولاً كتاب الله يخالفه فاتركوا قولي لكتاب الله. قيل: إذا كان قول رسول الله صلى الله عليه وسلم يخالفه؟ قال: اتركوا قولي لخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم. قيل: إذا كان قول الصحابة يخالفه؟ قال: اتركوا قولي لقول الصحابة. وقال تلميذه أبو يوسف رحمه الله تعالى: لايحل لأحدٍ أن يقول مقالتنا حتى يعلم من أين قلنا. وقال الإمام الشافعي رحمه الله:أجمع المسلمون على أن من استبانت له سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكن له أن يدعها لقول أحد. وقال أيضاً: إذا صح الحديث بما يخالف قولي فاضربوا بقولي عرض الحائط. وقال الإمام أحمد رحمه الله: من قلة فقه الرجل أن يقلد دينه الرجال. وقال أيضاً: لا تقلدني ولا تقلد مالكاً ولا الثوري ولا الأوزاعي وخذ من حيث أخذوا. ومن فوائد هذا المنهج القويم: التنبيه على أن الاستفادة من فقه هؤلاء الأئمة والانتفاع بعلومهم لا يصح أن يجعل عائقا أمام تقديم السنة إذا استبانت للمرء، ولو خالف ذلك مذهب إمامه ورأي شيخه، فليست العصمة لأحد بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم. ـ ثانيا: الغلو في أهل العلم مذموم وضار، وكذلك الجفاء عنهم، والحق وسط بين طرفين، فلا نغلو فيهم فنرفعهم فوق أقدارهم وننسب لهم العصمة، ولا نجفو عنهم فنحط من أقدارهم ونسوي بينهم وبين عموم الناس. وكذلك الحال مع مذاهبهم وقواعدهم، لا نرد بها النصوص فنُفْرِط، ولا نلغيها بالكلية فنفَرِّط. فلا يجوز أن يُردَّ الثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم لقول أحد كائنا من كان، ولا يجوز أن نسيء الأدب مع أهل العلم ونتهمهم ونقع في أعراضهم. فأقوالهم لا تخرج عن اجتهادات في فهم الشريعة وأدلتها. وقد سبق لنا في الفتوى رقم: 6787 بيان فوائد معرفة أقوالهم وأسباب اختلافهم وموقفنا من ذلك. كما سبق لنا بيان أنه لا تعارض بين الدعوة إلى مذهب السلف وبين العمل بمذاهبهم، وذلك في الفتوى رقم: 31966. ولمزيد الفائدة يمكن الاطلاع على الفتوى رقم: 2397
قال شيخ الإسلام ابن تيمية في (اقتضاء الصراط المستقيم): الأعياد شريعة من الشرائع، فيجب فيها الاتباع لا الابتداع ... وكذلك ما يحدثه بعض الناس، إما مضاهاة للنصارى في ميلاد عيسى عليه السلام، وإما محبة للنبي صلى الله عليه وسلم وتعظيمًا. والله قد يثيبهم على هذه المحبة والاجتهاد، لا على البدع من اتخاذ مولد النبي صلى الله عليه وسلم عيدًا، مع اختلاف الناس في مولده، فإن هذا لم يفعله السلف، مع قيام المقتضي له وعدم المانع منه لو كان خيرًا. ولو كان هذا خيرًا محضا أو راجحًا لكان السلف رضي الله عنهم أحق به منا، فإنهم كانوا أشد محبة لرسول الله صلى الله عليه وسلم وتعظيمًا له منا، وهم على الخير أحرص. وإنما كمال محبته وتعظيمه في متابعته وطاعته واتباع أمره، وإحياء سنته باطنًا وظاهرًا، ونشر ما بعث به، والجهاد على ذلك بالقلب واليد واللسان .. وأكثر هؤلاء الذين تجدهم حراصًا على أمثال هذه البدع، مع ما لهم من حسن القصد والاجتهاد الذين يرجى لهم بهما المثوبة، تجدهم فاترين في أمر الرسول عما أمروا بالنشاط فيه، وإنما هم بمنزلة من يحلي المصحف ولا يقرأ فيه، أو يقرأ فيه ولا يتبعه ... واعلم أن من الأعمال ما يكون فيه خير، لاشتماله على أنواع من المشروع، وفيه أيضًا شر، من بدعة وغيرها، فيكون ذلك العمل خيرًا بالنسبة إلى ما اشتمل عليه من أنواع المشروع، وشرًا بالنسبة إلى ما اشتمل عليه من الإعراض عن الدين بالكلية، كحال المنافقين والفاسقين، وهذا قد ابتلي به أكثر الأمة في الأزمان المتأخرة، فعليك هنا بأدبين: أحدهما: أن يكون حرصك على التمسك بالسنة باطنًا وظاهرًا، في خاصتك وخاصة من يطيعك. وأعرف المعروف وأنكر المنكر. الثاني: أن تدعو الناس إلى السنة بحسب الإمكان ... اهـ. وراجع في ذلك الفتوى رقم: 137747. ـ تاسعا: التكبير الجماعي أيام التشريق قد اختلف فيه أهل العلم، والخلاف في ذلك مما يسوغ، ولا داعي للإنكار فيه على المخالف، وليكتف كل طالب علم بعرض ما يعتقده وبيان وجه رجحانه دون تعصب، والمفتى به عندنا أنه مشروع ، وراجع في ذلك الفتويين: 130945، 170005. ـ عاشرا: مسألة التوسل بالنبي صلى الله عليه وسلم، هي الأخرى من مسائل الخلاف، وقد سبق لنا تناولها في عدة فتاوى، منها الفتويين: 17593، 11669. ـ حادي عشر: مسألة السدل في الصلاة عند المالكية سبق لنا بيان ذلك في الفتوى رقم: 2591. ـ ثاني عشر: مسألة المشاركة في الانتخابات النيابية، هي الأخرى من المسائل المختلف فيها، وقد سبق لنا تناولها في عدة فتاوى، منها الفتوى رقم: 134999 وما أحيل عليه فيها. والله أعلم.
فتاوى أخرى من مكتبتنا في الموضوع نفسه