هذا الموقع قيد المراجعة، لا تعتمد عليه في الأحكام النهائية.
السؤال
أنت تقول : إن الرجل لا يستطيع الحصول على الرزق فقط عن طريق الدعاء ، ولكن في سورة آل عمران الله يخبرنا أنه اعتاد إعطاء مريم الرزق دون جهد ، فكيف تفسرون الأمر ؟
الجواب
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
الأصل أن الرزق وغيره : قائم على الأسباب، فلا ينال الرزق إلا بالسعي، كما قال تعالى: هوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ الملك/15
قال ابن كثير رحمه الله في تفسيره (8/ 180) :
" قال ابن عباس ومجاهد وقتادة والسدي: مناكبها : أطرافها وفجاجها ونواحيها.
وقال ابن عباس وقتادة: مناكبها : الجبال" انتهى.
وروى أحمد (370) ، والترمذي (2344) ، وابن ماجه (4164) عنْ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لَوْ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَوَكَّلُونَ عَلَى اللَّهِ حَقَّ تَوَكُّلِهِ، لَرُزِقْتُمْ كَمَا يُرْزَقُ الطَّيْرُ ، تَغْدُو خِمَاصًا ، وَتَرُوحُ بِطَانًا وصححه الألباني ، وشعيب الأرنؤوط.
وفي الحديث بيان : أن الطير (تغدو) ؛ أي : تذهب في أول النهار بحثا عن الطعام، وهذا من مباشرة الأسباب، مع أن الحديث في بيان تقرير التوكل ، وتصحيح مقامه ؛ فدل على أن الأخذ بالأسباب لاينافي التوكل ، بل هو من تمامه .
وهذا هو الأصل العام الذ ي شرعه الله لعباده ، أن يطلبوا الشيء بأسبابه الشرعية ، والحسية.
وقد يخرق الله العادة ، ويرزق عبدا من عباده ، بلا سبب ولا سعي، معجزة لنبي، أو كرامة لولي.
وهذا هو ما حصل لمريم عليها السلام ؛ فرزقها الله من غير سبب حسي ظاهر ؛ كرامة لها؛ لأنها ليست نبية، في قول الجمهور.
قال القرطبي رحمه الله في تفسيره (4/ 71):
"وكان زكريا ، إذا دخل عليها ، يجد عندها فاكهة الشتاء في القيظ ، وفاكهة القيظ في الشتاء !!
فقال: يا مريم ؛ أنى لك هذا؟
فقالت: هو من عند الله !!
فعند ذلك طمع زكريا في الولد ، وقال: إن الذي يأتيها بهذا ، قادر أن يرزقني ولدا" انتهى.
وقال البغوي رحمه الله في تفسيره (2/ 32):
" قال أهل الأخبار : فلما رأى ذلك زكريا قال: إن الذي قدر على أن يأتي مريم بالفاكهة ، في غير حينها ، من غير سبب : لقادر على أن يصلح زوجتي ، ويهب لي ولدا في غير حينه من الكبر ؛ فطمع في الولد" انتهى.
وقال ابن كثير رحمه الله في تفسيره (2/ 36):
" وجد عندها رزقا : قال مجاهد، وعكرمة، وسعيد بن جبير، وأبو الشعثاء، وإبراهيم النخعي، والضحاك، وقتادة، والربيع بن أنس، وعطية العوفي، والسدي [والشعبي]: يعني وجد عندها فاكهة الصيف في الشتاء ، وفاكهة الشتاء في الصيف.
وعن مجاهد - وجد عندها رزقا - أي: علما، أو قال: صحفا فيها علم. رواه ابن أبي حاتم. والأول أصح، وفيه دلالة على كرامات الأولياء، وفي السنة لهذا نظائر كثيرة" انتهى.
والحاصل :
أن الأصل هو أن الرزق لا يأتي إلا بالسعي، إلا أن يكون معجزة ، كنزول المائدة على عيسى عليه السلام، أو تكثير الطعام والماء بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو كرامة كالذي حصل لمريم .
وقد يكون ذلك استجابة لدعاء يدعو به العبد ، فيرزقه ببركة دعائه ، والدعاء أيضا من جملة الأسباب الشرعية ؛ لكن لا يجوز للعبد أن يعطل أسباب مطالبه الدينية والدنيوية ، اعتمادا على مجرد الدعاء ؛ فإن ذلك أقرب إلى الغرور .
والله أعلم
فتاوى أخرى من مكتبتنا في الموضوع نفسه