هذا الموقع قيد المراجعة، لا تعتمد عليه في الأحكام النهائية.
السؤال
أنا فتاه أبلغ من العمر 23 سنة ، لا أعاني ـ الحمدلله ـ من أي مرض جسدي ، ولكن هناك أشياء بداخلي لا أعلم لماذا أنا هكذا مما يجعلني أقف أمام المرآة ، وأقول لنفسي لماذا أنا هكذا ؟ لماذا أنا مختلفة عن باقي الناس ؟ سأتكلم من نقطة البداية ، أنا لدي ثلاث أخوات وأخوان ، منذ كنت صغيرة لم يكون لدي صديقات أبدا ، كنت أحس أنني شخص غير مرغوب به ؛ بسبب شكلي ، وأنني سمراء اللون ، واستمرت هذه الفكرة معي ، أصبحت بعيدة عن الكل ، وأختي كان لها صديقات تذهب لهم ، وأنا كنت أجلس معها أحيانا ، وكنت أعاني من البنات ، كانت تصير مشاكل باستمرار بيني وبينهم بدون سبب طبعا ، انتقلت لمرحلة المتوسط والثانوي بنفس الشئ ، وكانو يسرقون أغراضي دون علمي ، انتقلت إلى الجامعة فأصبحت أعاني أكثر من قبل ، بدأت دراستي ولم أوفق فيها بسبب إهمالي ، كان شغلي الشاغل شكلي شكلي شكلي ، ولم أعد أنظر لغير ذلك ، مهما فعلت أحس بالنقص ، أصبحت أرى نفسي ناقصة ، لدي صديقات لكن لا أحس أنهم يحبونني ، وفي صغري كنت أسمع كلمة مجنونه كثيرا ، حتى أصبحت أشعر بأنني فعلا مجنونة لا أستطيع أن أذهب مع البنات ، ولا أستطيع أن أفعل أي شئ لأنني مجنونة يعاملوني على أنني شخص مجنون ، ثم حدث أن أختي خطبها ابن خالتي فهو يحبها ، وأنا أعلم بهذا الشئ ، ولكن أقول بيني وبين نفسي لماذا أنا لم أخطب بعد ؛ لأن شكلي مخيف جدا ، لا أحد يرغب بي ، ولأنني مجنونة ، ثم أنظر إلى نفسي ، أنا لدي خلفية عن الأجهزة ، وكل شئ يخصها ، أفهم ما يدور حولي ، أفهم الناس جيدا ؛ لأنني أقرا كتب نفسية كثيرا ، أعلم من يحبني ومن يكرهني ، أرى الناس بشفافية تامة ، مع لذلك إذا نظرت بأعينهم أرى أنهم ينظرون لي على أنني مجنونة ، هل أنا مجنونة حقا؟
الجواب
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
أختنا الفاضلة : الإنسان مركب من أفكار ومشاعر وسلوك ، فإذا غلبت الإيجابية على أفكاره ، انتظمت مشاعره وغلب على سلوكه الإيجابية . وإذا غلبت السلبية على أفكاره ، اضطربت مشاعره ، وغلب على سلوكه السلبية . والمصدر الرئيس لهذه الأفكار هو ما يسمى بالمعتقد المركزي Core belief ، وهو معتقد مركزي دفين راسخ في النفس البشرية ، يتكون مع مر الزمان من خلال المواقف والخبرات الحياتية ، ولا يلبث أن يترجم إلى معتقدات وسطية في صورة انطباعات Attitudes وافتراضات Assumptions وقواعد Rules . وهذا كله يظهر على السطح أثناء المواقف والأحداث التي تتعرضي لها في صورة ما يسمى بالأفكار التلقائية Automatic thoughts . ولو أسقطنا هذه المنظومة المعرفية على حالتك ، لوجدنا أن الأفكار التلقائية التي تتردد بداخلك مع كل موقف : ( إنهم لا يحبونني ، إنهم يرون أني مجنونة ، إنهم يرون أني مخيفة ) !! وهذه الأفكار نابعة من انطباعات وافتراضات سلبية عن الصداقة ونظرة الناس لكِ . وكل هذا من نسجك للأوهام داخل نفسك ، غذاها تسويل الشيطان لك ، ونفس أمارة بسوء الظن ، سوء الظن بمن حولك من الناس ؛ بل بنفسك أنت ، كذلك . كقولك في نفسك : ( أي صداقة سيترتب عليها مشاكل ) ، ( أي تصرف أمام الناس سيقولون عني مجنونة ) ، ( أي أحد ينظر إلي ، سيرى أني مخيفة جدا ) .
وهذا كله أختنا الفاضلة نابع من معتقد مركزي دفين راسخ ألا وهو : ( أنا غير محبوبة وغير مرغوبة ) ! وبناء على ذلك ، فالمنبع الرئيس لهذه الأفكار هو ( عقلكِ ) ، و(نفسك الأمارة ، بالسوء ) أنت ، و( شيطانك ، وقرينك الملازم لك ) أنت ، وليس ذلك نابعا ممن حولك من الناس . ( أنت ) ، من أقنعت نفسك ، بأنكِ غير محبوبة !! أنت ، من أقنعت نفسك ، بأنكِ غير مرغوبة !! أنت ، من أقنعت نفسك بأنكِ مخيفة !!
فإذا استطعتِ أن تتحرري من تسلط هذه الأفكار ، والمشاعر السلبية عليكِ ، وتنظري إلى الواقع بغير أحكام وتصورات مسبقة ؛ فسوف تجدين أنه السهل جدا أن تكوني محبوبة ، ومرغوبة ، وجميلة في عين نفسكِ أولا ، وفي أعين الناس ثانيا !!
ذلك بأن محبة الناس لا تُكتسب ، واقعيا ، بمجرد الملامح والجمال ؛ فكم من جميلة وهي مبغوضة بين الناس لسوء خلقها ، وكم من فاتنة غير مقبولة عند الناس ، لصعوبة طبعها ؛ فالناس يأسرهم الإحسان ، وينفرهم البغي والعدوان . قال تعالى :( وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ * وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ * وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ) فصلت/34-36 قال الحافظ ابن كثير رحمه الله تعالى في تفسيره (7/181) : " وَقَوْلُهُ: وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلا السَّيِّئَةُ أَيْ: فَرْقٌ عَظِيمٌ بَيْنَ هَذِهِ وَهَذِهِ . ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ أَيْ: مَنْ أَسَاءَ إِلَيْكَ ، فَادْفَعْهُ عَنْكَ بِالْإِحْسَانِ إِلَيْهِ، كَمَا قَالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : مَا عَاقَبْتَ مَنْ عَصَى اللَّهَ فِيكَ بِمِثْلِ أَنْ تُطِيعَ اللَّهَ فِيهِ. وَقَوْلُهُ: فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ : وَهُوَ الصَّدِيقُ، أَيْ: إِذَا أَحْسَنْتَ إِلَى مَنْ أَسَاءَ إِلَيْكَ ، قَادَتْهُ تِلْكَ الْحَسَنَةُ إِلَيْهِ إِلَى مُصَافَاتِكَ وَمَحَبَّتِكَ، وَالْحُنُوِّ عَلَيْكَ، حَتَّى يَصِيرَ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ لَكَ حَمِيمٌ أَيْ: قَرِيبٌ إِلَيْكَ مِنَ الشَّفَقَةِ عَلَيْكَ وَالْإِحْسَانِ إِلَيْكَ. ثُمَّ قَالَ: وَمَا يُلَقَّاهَا إِلا الَّذِينَ صَبَرُوا
هذا كله مما ينبغي أن تجتهدي فيه ، وتنشغلي به عن آراء الناس في ملامحك أو هيئتك ؛ ذلك بأن الانشغال بالإحسان إلى الناس - لاسيما الضعفاء منهم - يضفي على الملامح الروحية المستورة : نورا وضياءً ، يرجع على الملامح البدنية المنظورة ، بهاءً ونضرةً وصفاءً ، وهذا مشاهد معلوم . وليس بعد الإحسان للناس ، والتلطف معهم ، إلا اتخاذ بعض الخطوات العملية الفعالة ، في إنشاء الصداقات ، وتوطيد العلاقات ، كتحري المشاركة في الأعمال الجماعية الخيرية ، أو النشاطات النسائية التي تتيح فرص التعارف والصداقة ، مثل حلقات التحفيظ في المساجد ، وجمعيات تحفيظ القرآن الكريم ، ونحو ذلك من الأنشطة النسائية الاجتماعية المفيدة لنفسك ، ولمن حولك من الناس . وكذلك تحري التواصل مع الأخوات ذوات الاهتمامات المشتركة معكِ ، كمشاركة بعضهن في حب القراءة مثلا ، وتبادل الكتب النافعة فيما بينكن ، وإهدائها .
ومن الوسائل النافعة كذلك : مساعدة النساء ، لا سيما الأرامل والمطلقات وكبيرات السن منهن ، ومساعدة الأطفال ، لا سميا اليتامى منهم ، والسعي في قضاء حوائج الناس ، وإمداد يد العون للمحتاج ، في أمور المعاش ، والمعاد كذلك ، بل فوق ذلك . فإن لم تستطيعي فعل ذلك بنفسك ، فاستعيني بأخصائية نفسية تساعدكِ على التخلص من مشاعرك السلبية ، وإبدالها بمشاعر إيجابية ، وذلك من خلال جلسات الدعم النفسي supportive therapy ، وغيرها من أنواع التدخلات النفسية النافعة ، بإذن الله وحوله وقوته . وفي آخر الأمر اعلمي سلمك الله أن الجمال إلى زوال ، وأن إلى ربك الرجعى والمآل ؛ فلا فضل لجميل على دميم ، ولا لنبيل على ذميم ، عند الله ، إلا بالتقوى والعمل الصالح ؛ قال تعالى : ( يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ) الحجرات/13 . وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ( إِنَّهُ لَيَأْتِي الرَّجُلُ العَظِيمُ السَّمِينُ يَوْمَ القِيَامَةِ، لاَ يَزِنُ عِنْدَ اللَّهِ جَنَاحَ بَعُوضَةٍ . وَقَالَ: اقْرَءُوا : ( فَلاَ نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ القِيَامَةِ وَزْنًا ) . [الكهف: 105] رواه البخاري (4729) ومسلم(2785). نسأل الله أن يصرف عنكِ الحزن في الدنيا والآخرة ، إنه ولي ذلك والقادر عليه ، ولا ملجأ ولا منجا منه إلا إليه سبحانه . والله تعالى أعلم