هذا الموقع قيد المراجعة، لا تعتمد عليه في الأحكام النهائية.
السؤال
لنا صديق يعمل في إحدى الشركات الأجنبية في مصر منذ عدة سنوات ، تلك الشركة تفرض على جميع الموظفين تأمينا إجباريا على الحياة ، من خلال إحدى شركات التأمين الأجنبية ، وهو تأمين تجاري وليس تكافلي ، ليس للموظف الاختيار بين التأمين من عدمه ، ولكنه تأمين إجباري على جميع الموظفين ، لرفع الحرج عن الشركة حال وفاة أحد موظفيها ، واشتراك التأمين بالكامل تدفعه الشركة ، ولا يساهم فيه الموظف بأي مبلغ من مرتبه ، للموظف أثناء التعيين تحديد الجهات التي يصرف لها مبلغ التأمين عند وفاته ، فيمكن أن يختار أحد أقاربه ، أو أن يكتب "الورثة الشرعيين" فيتم تقسيم المبلغ بينهم كتركة ، صديقي رأى أن التأمين التجاري كله حرام ، وبالتالي كتب في هذه الاستمارة أن يذهب المبلغ بأكمله بعد وفاته إلى جهات خيرية ، مرت الأعوام ، وتوفي صديقي بعد صراع لعدة أعوام مع المرض ، تاركاً خلفه ورثة هم زوجة حامل لا تعمل ، وطفلة صغيرة وأم وأب طاعنين في السن ، تواصلت الشركة معنا، وقالت : إن شركة التأمين ستقوم بدفع المبلغ في جميع الأحوال ، فإما أن يذهب المبلغ للجهات الخيرية ، أو أن تدفعه الشركة للورثة الشرعيين متجاهلين طلب المتوفي ـ رحمة الله عليه ـ سمعنا بعض الآراء القائلة بأن التأمين التجاري طالما كان إجباريا ولا خيار فيه فيجوز التحصل على قيمته . السؤال الأول: هل يجوز قبض عائد التأمين التجاري في حالة ما إذا كان تأمينا إجباريا ؟ السؤال الثاني: إن كانت الإجابة نعم ، فهل ما حدده المتوفي من مصارف يعتبر وصية شرعية ملزمة للورثة ؟ فإن كان نعم ـ فهل الوصية على المبلغ كله ، أم على ثلث المبلغ ، أم على ثلث التركة كلها ؟ السؤال الثالث: هل يجوز تعديل هذه الرغبة بالتنسيق مع إدارة الشركة ؟ السؤال الأخير : هل ينفع يصح أن يوصي الإنسان بمبلغ لا يملكه ولا يعرف مقداره وقت الوفاة ؟
الجواب
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
أولا: التأمين التجاري محرم بجميع صوره ، سواء كان تأمينا صحيا أو تأمينا على الممتلكات ، أو على الحياة ، لكن التأمين على الحياة وعلى الممتلكات مشتمل على الربا والقمار ، لأنه مال بمال مع الغرر ، فلا يُدرى أيأخذ الإنسان مثل ما دفع أو أكثر أو أقل .
وقد سبق في جواب السؤال رقم : (180521) ، ورقم : (219023) ، أن من أمنت عليه شركته هذا التأمين ، فلا حرج عليه أن ينتفع بالمال الذي يدفع إليه عند التقاعد ، ولا حرج على ورثته في أخذ ما يأتيهم من هذا التأمين؛ لأنه مال رغب عنه أصحابه ، وبذلوه برضاهم ، فلا مانع من أخذه ، وهو مال محرم على كاسبه ( أي شركة التأمين ) دون من انتقل إليه بوجه مباح؛ ولأن هذا المبلغ يعتبر مكافأة أو تعويضا للموظف ولورثته من الشركة التي يعمل بها ، وقامت شركة التأمين بتحمل هذا المبلغ عن الشركة مقابل الاتفاق الذي تم بينهما. ثانيا: تصح الوصية بالمجهول والمعدوم ، كأن يوصي بما يحمل حيوانه ، أو بما سيحصل عليه من تأمين ونحوه. قال في " الروض المربع مع الحاشية " (6/ 65): " وتصح بالمعدوم كـوصية بما يحمل حيوانه وأَمته... وتصح بمجهول كعبد وشاة ، لأَنها إذا صحت بالمعدوم ، فالمجهول أَولي" انتهى. ثالثا: الوصية تقيد بالثلث ، والمراد: ثلث التركة، فإن كانت الوصية لا تخرج عن ثلث التركة ، لزمت. فإن زادت عن الثلث ، فلا تنفذ في الزائد إلا بإجازة الورثة. وينظر: سؤال رقم : (174421) . رابعا: الظاهر أن صديقك إنما أوصى بذلك لظنه حرمة أخذ هذا المال، فلم يرد إدخاله على ورثته. وهنا يقال: إن الراجح جواز تغيير الوصية لما هو أفضل وأنفع. قال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله : "تغيير الوصية لما هو أفضل فيه خلاف بين أهل العلم : فمنهم من قال : إنه لا يجوز ؛ لعموم قوله تعالى : ( فمن بدله بعد ما سمعه ) البقرة/ 181 ، ولم يستثن إلا ما وقع في إثم ، فيبقى الأمر على ما هو عليه لا يغير . ومنهم من قال : بل يجوز تغييرها إلى ما هو أفضل ؛ لأن الغرض من الوصية التقرب إلى الله عز وجل ، ونفع الموصى له ، فكل ما كان أقرب إلى الله ، وأنفع للموصى له ، كان أولى أيضاً ، والموصي بشر قد يخفى عليه ما هو الأفضل ، وقد يكون الأفضل في وقت ما غير الأفضل في وقت آخر ، ولأن النبي صلى الله عليه وسلم أجاز تحويل النذر إلى ما هو أفضل مع وجوب الوفاء به ...
والذي أرى في هذه المسألة : أنه إذا كانت الوصية لمعين ، فإنه لا يجوز تغييرها ، كما لو كانت الوصية لزيد فقط ، أو وقف وقفاً على زيد ، فإنه لا يجوز أن تُغير، لتعلق حق الغير المعين بها. أما إذا كانت لغير معين - كما لو كانت لمساجد ، أو لفقراء - فلا حرج أن يصرفها لما هو أفضل " انتهى من "تفسير القرآن للعثيمين" (4 / 256) .
وعليه : فإذا كان الورثة بحاجة لهذا المال، جاز تعديل الوصية، والإذن للشركة في إعطائه للورثة. وأن أمضوا وصيته للجهات الخيرية ، فإن ذلك يتقيد بثلث تركته، فإن زاد هذا المال عن ثلث التركة ، فللورثة الخيار في الزائد : إن شاءوا أجازوه، وإن شاءوا منعوا، فكان من جملة التركة. والله أعلم.
فتاوى أخرى من مكتبتنا في الموضوع نفسه