هذا الموقع قيد المراجعة، لا تعتمد عليه في الأحكام النهائية.
السؤال
هل الأنبياء معصومون ؟ وإن كانوا كذلك ، فكيف تفسر ما حدث لنبي الله يونس عليه السلام؟
الجواب
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
الأنبياء معصومون في التبليغ عن الله تعالى ، فلا يكون خبرهم إلا حقا ، ولا يقع الغلط في تبليغهم لا عمدا ولا سهوا . ومعصومون من الكبائر كالزنا والسرقة . ومعصومون من الصغائر التي تدل على الخسة ، كسرقة لقمة، أو التطفيف بحبة. وقد يقع منهم الخطأ من الصغائر التي لا تدل على الخسة ، لكن لا يقرون على ذلك، بل يتداركهم الله تعالى وينبههم عليه فيعودون عنه. قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله : " إن القول بأن الأنبياء معصومون عن الكبائر دون الصغائر ، هو قول أكثر علماء الإسلام ، وجميع الطوائف ... وهو أيضا قول أكثر أهل التفسير والحديث والفقهاء ، بل لم يُنقل عن السلف والأئمة والصحابة والتابعين وتابعيهم إلا ما يوافق هذا القول " انتهى من "مجموع الفتاوى" (4/319). وقال السفاريني رحمه الله : " قال القاضي عياض : أجمع المسلمون على عصمة الأنبياء من الفواحش والكبائر الموبقات ، قال : وقد ذهب بعضهم إلى عصمته من مواقعة المكروه قصدا . انتهى . وقال العلامة السعد التفتازاني : وفي عصمتهم من سائر الذنوب تفصيل ، وهو أنهم معصومون عن الكفر ، قبل الوحي وبعده بالإجماع ، وكذا عن تعمد الكبائر عند الجمهور ... وإنما الخلاف في أن امتناعه بدليل السمع أو العقل ، وأما سهوا فجوز الأكثرون ، قال : وأما الصغائر فتجوز عمدا عند الجمهور خلافا للجبائي وأتباعه ، وتجوز سهوا بالاتفاق إلا ما يدل على الخسة كسرقة لقمة والتطفيف بحبة ، لكن المحققين شرطوا أن ينهوا عنه فينتهوا منه" . انتهى من " لوامع الأنوار البهية " (2/305).
والدليل على وقوع الصغائر منهم مع عدم إقرارهم عليها : - قوله تعالى عن آدم : (وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى . ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى ) طه / 121-122 ، وهذا دليل على وقوع المعصية من آدم – عليه الصلاة والسلام - ، وعدم إقراره عليها ، مع توبته إلى الله منها . قال شيخ الإسلام رحمه الله : " وأما الرسول صلى الله عليه وسلم : فعصمته فيما استقر تبليغه من الرسالة ، باتفاق المؤمنين ... إذ لا نزاع بين الأئمة في أنه لا يقر على ما هو خطأ في تبليغ الرسالة ، فإن معصوم الرسالة لا يحصل مع تجويز هذا. وأما تنازع الناس في غير هذا ، كتنازعهم في وقوع الخطأ والصغائر : فإنهم أيضا لا يقرون على ذلك . فإذا قيل هم معصومون من الإقرار على ذلك ، كان في ذلك احتراز من النزاع المشهور ؛ بل إذا كان عامة السلف والأئمة وجمهور الأمة يجوز ذلك على الأنبياء ، ويقولون هم معصومون من الإقرار على الذنوب ، ويقولون : وقوع ما وقع إنما كان لكمال النهاية ، لا لتفضيل البداية ؛ فإن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين ، كما دل الكتاب والسنة والآثار على ذلك " . انتهى من "بغية المرتاد" (501) . وقال أيضا : " والقول الذي عليه جمهور الناس ، وهو الموافق للآثار المنقولة عن السلف : إثبات العصمة من الإقرار على الذنوب مطلقا ، والرد على من يقول إنه يجوز إقرارهم عليها . وحجج القائلين بالعصمة إذا حررت إنما تدل على هذا القول. وحجج النفاة لا تدل على وقوع ذنب أقر عليه الأنبياء . فإن القائلين بالعصمة احتجوا بأن التأسي بهم مشروع ، وذلك لا يجوز مع تجويز كون الأفعال ذنوبا ؟ ومعلوم أن التأسي بهم إنما هو مشروع فيما أقروا عليه ، دون ما نهوا عنه ، ورجعوا عنه . كما أن الأمر والنهي إنما تجب طاعتهم فيما لم ينسخ منه ، فأما ما نسخ من الأمر والنهي : فلا يجوز جعله مأمورا به ، ولا منهيا عنه ؛ فضلا عن وجوب اتباعه والطاعة فيه. وكذلك ما احتجوا به من أن الذنوب تنافي الكمال ، أو أنها ممن عظمت عليه النعمة أقبح ، أو أنها توجب التنفير ، أو نحو ذلك من الحجج العقلية . فهذا إنما يكون مع البقاء على ذلك ، وعدم الرجوع ؛ وإلا فالتوبة النصوح التي يقبلها الله : يرفع بها صاحبها إلى أعظم مما كان عليه .." انتهى من "مجموع الفتاوى" (10/294) . ومن ذلك ما وقع ليونس عليه السلام، وتركه قومه قبل أن يأذن الله له فيه. قال تعالى: (وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا) الأنبياء/87 . قال الأمين الشنقيطي رحمه الله: " وقوله في هذه الآية الكريمة : مغاضبا أي : في حال كونه مغاضبا لقومه . ومعنى المفاعلة فيه : أنه أغضبهم بمفارقته وتخوفهم حلول العذاب بهم ، وأغضبوه حين دعاهم إلى الله مدة فلم يجيبوه ، فأوعدهم بالعذاب . ثم خرج من بينهم على عادة الأنبياء عند نزول العذاب قبل أن يأذن الله له في الخروج . قاله أبو حيان في البحر... فقوله في آيات الصافات المذكورة : (إِذْ أَبَقَ) أي : حين أبق ، وهو من قول العرب : عبد آبق ؛ لأن يونس خرج قبل أن يأذن له ربه ، ولذلك أطلق عليه اسم الإباق واستحقاق الملامة في قوله : (وهو مليم) لأن المليم اسم فاعل ألام إذا فعل ما يستوجب الملام ... وآية القلم المذكورة تدل على أن نبي الله يونس - عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام - عجل بالذهاب ومغاضبة قومه ، ولم يصبر الصبر اللازم بدليل قوله مخاطبا نبينا - صلى الله عليه وسلم - فيها : (فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِ) الآية. فإن أمره لنبينا - صلى الله عليه وسلم - بالصبر ونهيه إياه أن يكون كصاحب الحوت دليل على أن صاحب الحوت لم يصبر كما ينبغي" انتهى من " أضواء البيان " (4/241). وهذا لا ينقص من قدر يونس عليه السلام. قال شيخ الإسلام: " ... ما تضمنته " قصة ذي النون " مما يلام عليه كله مغفور بدله الله به حسنات؛ ورفع درجاته، وكان بعد خروجه من بطن الحوت وتوبته ، أعظم درجة منه قبل أن يقع ما وقع ؛ قال تعالى:
والله أعلم .
فتاوى أخرى من مكتبتنا في الموضوع نفسه