هذا الموقع قيد المراجعة، لا تعتمد عليه في الأحكام النهائية.
السؤال
هل يشترط للحديث المتواتر تعدد الطرق ، أم إن طريقا واحدة تكفيه إن كثر رواته الذين يمتنع تواطؤهم علي الكذب ؟ وهل يشترط في الحديث المشهور أو العزيز أو الغريب أن يكون الثلاثة رواه فأكثر مالم يبلغ حد التواتر أو الراويان أو الراوي علي الترتيب من الصحابة ؟
الجواب
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
أولا : الحديث المتواتر هو: ما رواه جمع تحيل العادة تواطأهم على الكذب ، أو صدوره منهم اتفاقا من غير قصد ، ويستمر ذلك في كل طبقة من طبقات السند، ويكون مرجعه إلى الحس ، من مشاهَد أو مسموع أو نحوهما . قال القاسمي رحمه الله في " قواعد التحديث " (ص 146): " المتواتر: ما نقله من يحصل العلم بصدقهم ضرورة، بأن يكونوا جمعًا لا يمكن تواطؤهم على الكذب على مثلهم، من أوله إلى آخره؛ ولذا كان مفيدًا للعلم الضروري ، وهو الذي يضطر إليه الإنسان بحيث لا يمكنه دفعه ، ويجب العمل به من غير بحث عن رجاله، ولا يعتبر فيه عدد معين في الأصح " انتهى .
ومعنى : لا يشترط فيه عدد معين : أنه لا يتقيد المتواتر بأن يكون هو الذي رواه : أربعة ، أو خمسة ، أو عشرة ، فليس هناك عدد محدد يحصل به التواتر ، وما دونه لا يحصل به ، بل الواجب أن يتحقق "العدد الكثير" الذي تحصل به صفة التواتر .
وقال الحافظ ابن حجر رحمه الله : " إِذا جَمَع هذهِ الشروطَ الأربعةَ، وهي: 1- عددٌ كثير أحالت العادة تواطؤَهم، أو توافُقَهم، على الكذب. 2- رووا ذلك عن مِثْلِهِم من الابتداءِ إلى الانتهاءِ. 3- وكان مُسْتَنَدُ انْتِهائِهم الحِسَّ. 4- وانْضافَ إلى ذلك أَنْ يَصْحبَ خبرَهم إفادةُ العلمِ لِسامِعِهِ. فهذا هو المتواتِرُ " انتهى من " نزهة النظر " (ص 196)
فمن شروط المتواتر: تعدد طرقه ، أما الطريق الواحد ، وإن صح : فلا يثبت به التواتر ، إذ لا بد من تعدد الرواة في كل طبقة من طبقات السند – حتى طبقة الصحابة - تعددا تمنع العادة تواطأهم على الكذب ، أو تواردهم على الوقوع في نفس الغلط .
ولا بد أن يعلم أن المتواتر قسمان : لفظي ، ومعنوي . قال القاسمي رحمه الله : " المتواتر قسمان: لفظي وهو ما تواتر لفظه، ومعنوي وهو ما تواتر القدر المشترك فيه. وللأول أمثله كثيرة منها حديث: (من كذب عليَّ متعمدًا ... ) رواه نحو المائتين وحديث الحوض، رواه خمسون ونيف وحديث المسح على الخفين رواه سبعون، وحديث رفع اليدين في الصلاة رواه نحو الخمسين . وللثاني أمثلة أيضًا، فمنه: أحاديث رفع اليدين في الدعاء، فقد رُوي عنه -صلى الله عليه وسلم- نحو مائة حديث فيه رفع يديه في الدعاء، لكنها في قضايا مختلفة، فكل قضية منها لم تتواتر، والقدر المشترك فيها، وهو الرفع عند الدعاء تواتر باعتبار المجموع " . انتهى من " قواعد التحديث " (ص 146) .
ثانيا : أما المشهور : فهو ما رواه ثلاثة فأكثر، ما لم يبلغ التواتر ، وذلك في كل طبقة من طبقات السند أيضا، بما في ذلك طبقة الصحابة. قال الحافظ ابن حجر : " الْمَشْهُورُ مَا لَهُ طُرُقٌ مَحْصُورَةٌ بِأَكْثَرَ مِنَ اثْنَيْنِ، وَلَمْ يَبْلُغْ حَدَّ التَّوَاتُرِ، سُمِّيَ بِذَلِكَ لِوُضُوحِهِ، وَسَمَّاهُ جَمَاعَةٌ مِنَ الْفُقَهَاءِ الْمُسْتَفِيضَ لِانْتِشَارِهِ، مِنْ فَاضَ الْمَاءُ يَفِيضُ فَيْضًا " . انتهى من " تدريب الراوي " (2/ 621) . وانظر : "التذكرة" لابن الملقن (17) ، "التوضيح" للسخاوي (ص 49) . وقال د. محمود الطحان : " المشهور اصطلاحًا: ما رواه ثلاثة فأكثر -في كل طبقة- ما لم يبلغ حد التواتر" والمشهور غير الاصطلاحي: يقصد به ما اشتهر على الألسنة من غير شروط تعتبر؛ فيشمل: أ- ما له إسناد واحد. ب- وما له أكثر من إسناد. ج- وما لا يوجد له إسناد أصلا " . انتهى من " تيسير مصطلح الحديث " (ص 30) ، وينظر : " قواعد التحديث " (ص 124) . ثالثا : أما الغريب : فهو ما رواه راوٍ واحد فقط ، إما في كل طبقة من طبقات السند ، وإما في بعض طبقاته ، ولو طبقة واحدة . " تيسير مصطلح الحديث " (ص 27) .
فإذا حصلت الغرابة في طبقة واحدة فهو غريب نسبي ، وإذا حصلت في أصل السند ، وهي طبقة الصحابة ، فهو غريب مطلق .
وأما العزيز: فقال الحافظ ابن حجر : " صورة العزيز : ألا يرويَهُ أقلُّ مِن اثْنَيْنِ عَنْ أقلَّ مِنَ اثْنَيْنِ " . انتهى من " نزهة النظر" (ص 53) . وقال محمود الطحان : "العزيز اصطلاحاً : أن لا يقل رواته عن اثنين في جميع طبقات السند" انتهى من " تيسير مصطلح الحديث " (ص 25) .
وبهذا يتبين أن ما اصطلح العلماء عليه من شروط في الإسناد حتى يكون الحديث متواترا أو مشهورا أو عزيزا أو غريباً : أن ذلك ينطبق على جميع طبقات السند، بما في ذلك طبقة الصحابة ، فالمتواتر يشترط فيه أن يرويه عن النبي صلى الله عليه وسلم جماعة كثيرة من الصحابة . والمشهور يشترط أن يرويه أكثر من اثنين من الصحابة . والعزيز يشترط أن يرويه -ولو في طبقة واحدة من الإسناد- راويان اثنان فقط ، ولو كانا من الصحابة . والغريب يشترط فيه أن يرويه راوٍ واحد فقط ، ولو كان ذلك الراوي من الصحابة ، ثم أخذه عنه جماعة .
والله تعالى أعلم .
فتاوى أخرى من مكتبتنا في الموضوع نفسه