هذا الموقع قيد المراجعة، لا تعتمد عليه في الأحكام النهائية.
السؤال
بعد اطلاعى على السوالين رقم: (216397)، ورقم : (6333) هل يمكن أن نقول : إن الفرق بين خلق عيسى عليه السلام وبقية البشر أن الله أرسل جبريل عليه السلام بروح عيسى عليه السلام ، أما بقية البشر يرسل الله ملكا لنفخ الأرواح بعد مائة وعشرين يوما ، هل ورد ما يدل على اسم هذا الملك فى السنة ؟ وهل هناك فروقات بين خلق عيسى عليه السلام وبقية البشر ؟
الجواب
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
وكل الله عز وجل بخلق عيسى من أمه ، ملكا كريما ، تمثل لها في صورة بشر . قال الله تعالى : ( وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهَا مِنْ رُوحِنَا وَجَعَلْنَاهَا وَابْنَهَا آيَةً لِلْعَالَمِينَ ) الأنبياء/ 91 ، وقال تعالى : (وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا) التحريم/ 12 . وهذا الملك : هو جبريل عليه السلام ، كما يدل عليه سياق الآيات ، وكما يدل عليه وصفه بأنه "روح" ، وأنه "رسول" ، وإضافة ذلك إلى رب العزة سبحانه . قال الله تعالى : ( وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا * فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجَابًا فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا * قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا * قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلَامًا زَكِيًّا * قَالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا * قَالَ كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِنَّا وَكَانَ أَمْرًا مَقْضِيًّا ) مريم/16-21 . قال ابن كثير رحمه الله : " وَقَوْلُهُ: فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجَابًا أَيِ: اسْتَتَرَتْ مِنْهُمْ وَتَوَارَتْ، فَأَرْسَلَ اللَّهُ تَعَالَى إِلَيْهَا جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا أَيْ: عَلَى صُورَةِ إِنْسَانٍ تَامٍّ كَامِلٍ. قَالَ مُجَاهِدٌ، وَالضَّحَّاكُ، وقَتَادَةُ، وَابْنُ جُرَيْج وَوَهْبُ بْنُ مُنَبِّه، والسُّدِّي، فِي قَوْلِهِ: فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا يعني: جبريل، عليه السلام. وَهَذَا الَّذِي قَالُوهُ هُوَ ظَاهِرُ الْقُرْآنِ فَإِنَّهُ تَعَالَى قَدْ قَالَ فِي الْآيَةِ الْأُخْرَى: نزلَ بِهِ الرُّوحُ الأمِينُ عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ [الشُّعَرَاءِ: 193، 194] ..." . انتهى من "تفسير ابن كثير" (5/219-220) .
وقد خلق الله عز وجل نبيه عيسى عليه السلام ، على هذه الصفة ، وبهذه الطريقة المخالفة لخلق عامة البشر ، تنبيها للعباد على قدرة الخالق عز وجل ، ومشيئته واختياره ، وأنه ـ تبارك وتعالى ـ يخلق ما يشاء ويختار ، لا معقب لحكمه ، ولا راد لكلماته ، سبحانه . قال الله تعالى : ( إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ) آل عمران/ 59 . قال ابن كثير رحمه الله : " يَقُولُ تَعَالَى: (إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ) فِي قُدْرَةِ اللَّهِ تَعَالَى حَيْثُ خَلَقَهُ مِنْ غَيْرِ أَبٍ (كَمَثَلِ آدَمَ) فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى خَلَقَهُ مِنْ غَيْرِ أَبٍ وَلَا أُمٍّ ، بَلْ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ، وَالَّذِي خَلَقَ آدَمَ قَادِرٌ عَلَى خَلْقِ عِيسَى ، بِطَرِيقِ الْأَوْلَى وَالْأَحْرَى " انتهى من "تفسير ابن كثير" (2/ 49) . وقال ابن كثير رحمه الله أيضا : " قَالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَم أَكُ بَغِيًّا أَيْ: فَتَعَجَّبَتْ مَرْيَمُ مِنْ هَذَا وَقَالَتْ: كَيْفَ يَكُونُ لِي غُلَامٌ ؟ أَيْ: عَلَى أَيِّ صِفَةٍ يُوجَدُ هَذَا الْغُلَامُ مِنِّي ، وَلَسْتُ بِذَاتِ زَوْجٍ ، وَلَا يُتَصَوَّرُ مِنِّي الْفُجُورُ؛ وَلِهَذَا قَالَتْ: وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا وَالْبَغِيُّ: هِيَ الزَّانِيَةُ .. قَالَ كَذَلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ أَيْ: فَقَالَ لَهَا الْمَلَكُ مُجِيبًا لَهَا عَمَّا سَأَلَتْ: إِنَّ اللَّهَ قَدْ قَالَ: إِنَّهُ سَيُوجَدُ مِنْكِ غُلَامًا، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَكِ بَعْلٌ ، وَلَا تُوجَدُ مِنْكِ فَاحِشَةٌ ، فَإِنَّهُ عَلَى مَا يَشَاءُ قَادِرٌ؛ وَلِهَذَا قَالَ: وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ
وانظر السؤال رقم : (6333) .
والحاصل : أن عيسى عليه السلام قد خلقه الله عز وجل من أم بلا أب ، وقد أوكل نفخ الروح في أمه إلى ملك كريم ، ورسول أمين ، وهو جبريل عليه السلام ، الذي سماه الله عز وجل "روح القدس" . وأما من عداه من بني آدم ، فإنما يخلقون من التقاء ماء الرجل بالمرأة ، فإذا شاء الله عز وجل أن يخلق خلقا حصل الإخصاب ، ونُفخ فيه الروح بعد مائة وعشرين يوما ، في قول جمهور الفقهاء . روى البخاري (3208) ، ومسلم (2643) عن ابن مسعود رضي الله عنه قَالَ: " حَدَّثَنَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ الصَّادِقُ الْمَصْدُوقُ ( إِنَّ أَحَدَكُمْ يُجْمَعُ خَلْقُهُ فِي بَطْنِ أُمِّهِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا ، ثُمَّ يَكُونُ فِي ذَلِكَ عَلَقَةً مِثْلَ ذَلِكَ ، ثُمَّ يَكُونُ فِي ذَلِكَ مُضْغَةً مِثْلَ ذَلِكَ ، ثُمَّ يُرْسَلُ الْمَلَكُ فَيَنْفُخُ فِيهِ الرُّوحَ ، وَيُؤْمَرُ بِأَرْبَعِ كَلِمَاتٍ : بِكَتْبِ رِزْقِهِ ، وَأَجَلِهِ ، وَعَمَلِهِ ، وَشَقِيٌّ أَوْ سَعِيدٌ ) . فتصوير الجنين وتخليقه وكتابة ما يتعلق به ونفخ الروح فيه : يباشره الملك الموكل به ، بأمر من الله تعالى . انظر السؤال رقم : (216397) . وهذا الملك ، جبريل عليه السلام ، هو الذي تولى نفخ روح عيسى عليه السلام ، في أمه مريم ، بأمر الله عز وجل له ، على أظهر الأقوال في ذلك . قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله : " وأما المسيح، فيقال : إنه ولدته مريم ، ويقال : المسيح ابن مريم، فكان المسيح جزءًا من مريم، وخلق بعد نفخ الروح في فرج مريم ، كما قال تعالى : وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِن رُّوحِنَا وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ [ التحريم : 12 ] ، وفي الأخرى : فَنَفَخْنَا فِيهَا مِن رُّوحِنَا وَجَعَلْنَاهَا وَابْنَهَا آيَةً لِّلْعَالَمِينَ
وقال الشيخ السعدي رحمه الله في " تفسيره " (ص 530) : " وحين جاءها جبريل في صورة بشر سوي تام الخلق والحسن قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا فجازاها الله من جنس عملها، ورزقها ولدا من غير أب ، بل نفخ فيها جبريل عليه السلام ، فحملت بإذن الله " انتهى . وقال أيضا (ص 874) " وقوله وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا أي: صانته وحفظته عن الفاحشة ، لكمال ديانتها، وعفتها ، ونزاهتها. فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا بأن نفخ جبريل [عليه السلام] في جيب درعها فوصلت نفخته إلى مريم ، فجاء منها عيسى ابن مريم [عليه السلام]، الرسول الكريم والسيد العظيم " انتهى . وينظر : "تفسير القرطبي" (18/204) ، "أضواء البيان" (3/449) .
واختلف العلماء في مدة حمل مريم بعيسى عليه السلام : فذهب الجمهور إلى أنها تسعة أشهر كغيره من البشر . وقال عكرمة : ثمانية أشهر ، قال : ولهذا لا يعيش ولد الثمانية أشهر ، حفظاً لخاصة عيسى . وروي عن ابن عباس أنه قال : لم يكن إلا أن حملت فوضعت . والراجح : أنها حملت به كما تحمل النساء بأولادهن . انظر السؤال رقم : (45820). أما الملك الموكل بنفخ الروح : فلم نجد في نصوص الشرع نصا يصرح باسمه ، فالبحث والسؤال عن ذلك من التكلف ، ولا فائدة ترجى من وراء معرفة اسمه . والله أعلم .
فتاوى أخرى من مكتبتنا في الموضوع نفسه