هذا الموقع قيد المراجعة، لا تعتمد عليه في الأحكام النهائية.
السؤال
ما حكم شعور المرء المسلم بالغرور حيال غيره من الكفار؟ لقد كنت في مكتبة الكلية أحفظ مقطعاً من القرآن ، وفجأة لاحظت وجود أحد الطلاب من غير المسلمين بالقرب مني ، فكان أول شعور خطر لي أنني أعرف طريق الحق وجمال الدين وهو لا يعرف ، ثم شعرت بالخجل من نفسي كوني عجزت عن الاقتراب منه والتحدث معه ودعوته إلى الإسلام ، فهل آثم لذلك؟ أرجو مناقشة هذه المسألة حتى يستفيد الجميع.
الجواب
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
أولا : المسلم يشعر بالعزة والاستعلاء ، لا بالغرور ؛ لأن الغرور خداع . تقول العرب: غَرَّهُ ، فَهُوَ مَغرور : خدعه . " لسان العرب " (5/ 11) . والله تعالى يقول : (يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ) الانفطار/ 6 . أي : مَا الَّذِي غَرَّكَ وَخَدَعَكَ حَتَّى كَفَرْتَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ؟ انتهى من " فتح القدير " (5/ 479) . فالمغرور : مخدوع ، والمسلم ليس مخدوعا في دينه ، بل دينه أحسن الأديان وأكملها . ولكن له العزة والرفعة ، كما قال تعالى : (وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ) المنافقون/ 8 . وروى الحاكم (207) عن عمر رضي الله عنه قال: " إِنَّا كُنَّا أَذَلَّ قَوْمٍ فَأَعَزَّنَا اللَّهُ بِالْإِسْلَامِ، فَمَهْمَا نَطْلُبُ الْعِزَّةَ بِغَيْرِ مَا أَعَزَّنَا اللَّهُ بِهِ أَذَلَّنَا اللَّهُ " وصححه الحاكم على شرط الشيخين، ووافقه الذهبي. وروى البيهقي (12155) عَنْ عَائِذِ بْنِ عَمْرٍو رضي الله عنه عن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال : ( الْإِسْلَامُ يَعْلُو وَلَا يُعْلَى ) وحسنه الألباني في " صحيح الجامع " (2778) .
ثانيا : اعتقادك بأنك على طريق الحق ، وشعورك بعظمة دينك وقدسيته وجماله ، وأن غيرك ممن ليس على هذا الدين في جهل وضلال : اعتقاد حق ، والواجب أن يحملك هذا الاعتقاد على التواضع لله ، والحمد والشكر له ، ونسبة الفضل والمنة إليه ، والتبري التام من حولك وقوتك ، إلى حول الله المنعم الكريم ، الذي من عليك بالهدى ، من غير استحقاق منك ، ولا فضل سابق لديك ؛ فأنعم عليك واختارك ، وهداك إلى الحق ، وقد ضل عنه أكثر الخلق .
ثالثا : أما دعوة الناس إلى الإسلام وإلى الحق فهو صفة أساسية من صفات هذه الأمة ، كما قال تعالى : (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ) آل عمران/ 110 ، قال ابن كثير رحمه الله : " قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، ومُجاهد، وعِكْرِمة، وعَطاء، وَالرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ، وَعَطِيَّةُ العَوْفيّ: (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ) يَعْنِي: خَيْرَ النَّاسِ لِلنَّاسِ.وَالْمَعْنَى: أَنَّهُمْ خَيْرُ الْأُمَمِ وَأَنْفَعُ النَّاسِ لِلنَّاسِ " انتهى . فإذا وجدت الفرصة لدعوة غير المسلم إلى الإسلام ، فإنك تبادر إلى ذلك ، وتسارع فيه ، ولا تتأخر عنه ، ولكن لا بد من التحصن بالعلم الشرعي ، والتفقه في الدين ، ودراسة الشبهات التي قد يلقيها عليك المدعو، حتى تستطيع أن تقيم عليه الحجة ، وتظهر عليه بالبينة ، وما ظهرت هذه الأمة على سائر الأمم إلا بذلك ، فهم أنفع الناس للناس ، وأعرف الناس بالحق، وأجدر الناس بالصدارة ، وأولى الناس بالعزة ، وهذا كله لا يحصل إلا بالقوة في الدين ، والعلم والفقه، وحب الخير للناس ، والرغبة في دعوتهم وهدايتهم ، وإخراجهم بإذن ربهم من الظلمات إلى النور .
فإذا كانت لديك الأهلية للدعوة ، فتأخرت وعجزت ، فأنت مقصر في أمر دينك، وأمر الدعوة إليه.
أما إذا كنت لا تستطيع ، فلا إثم عليك ، لكن ينبغي أن تتعلم العلم الشرعي ، وتتفقه في الدين ، وتدرس شبهات القوم ، وتتحلّى بالخلق الحسن ، وتستخدم الحكمة والموعظة الحسنة في الدعوة ، ثم تختار أنسب الأوقات والأماكن لذلك ؛ فمن يدري لعل الله أن يجري الخير على يديك ؛ وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: ( لَأَنْ يَهْدِيَ اللَّهُ بِكَ رَجُلًا خَيْرٌ لَكَ مِنْ أَنْ يَكُونَ لَكَ حُمْرُ النَّعَمِ ) رواه البخاري ( 3009 ) ، ومسلم ( 2406 ) .
وإذا كنت لا تستطيع ذلك أيضا ؛ فلا أقل من أن تعين من يستطيع ، ولو بدلالتهم على من يدعونهم ، والإعانة على عقد الاجتماعات لهم ، ونحو ذلك ، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( بَلِّغُوا عَنِّي وَلَوْ آيَةً ) رواه البخاري (3461) .
والله أعلم.
فتاوى أخرى من مكتبتنا في الموضوع نفسه