هذا الموقع قيد المراجعة، لا تعتمد عليه في الأحكام النهائية.
السؤال
ما حكم قولي وا جسدي ، أو آخ عند الألم هل هذا ينافي الصبر الواجب عند البلاء ؟
الجواب
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
الشكاية والتوجع والأنين في المرض لها حالان : الأولى: أن يصدر ذلك من المريض من باب الإخبار عن حاله ، أو من باب التنفيس والتخفيف عن النفس ، بسبب شدة الوجع والمرض ، فهذا لا حرج فيه ، ولا ينافي الصبر الواجب . كأن يقول الشخص : إني مريض أو إني وَجِع ، أو واجسداه ، أو وارأساه ، أو نحو ذلك من العبارات ، أو يُصدر صوتاً يدل على تألمه ووجعه . وقد روى البخاري في صحيحه (5666) عن أم المؤمنين عَائِشَة رضي الله عنها ، أنها قالت:" وَا رَأْسَاهْ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( ذَاكِ لَوْ كَانَ وَأَنَا حَيٌّ فَأَسْتَغْفِرَ لَكِ وَأَدْعُوَ لَكِ) !! فَقَالَتْ عَائِشَةُ: وَا ثُكْلِيَاهْ، وَاللَّهِ إِنِّي لَأَظُنُّكَ تُحِبُّ مَوْتِي ، وَلَوْ كَانَ ذَاكَ، لَظَلِلْتَ آخِرَ يَوْمِكَ مُعَرِّسًا بِبَعْضِ أَزْوَاجِكَ !! فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (بَلْ أَنَا وَارَأْسَاهْ) " . وترجم البخاري رحمه الله ، على هذا الحديث في صحيحه : "بَابُ قَوْلِ المَرِيضِ: " إِنِّي وَجِعٌ، أَوْ وَا رَأْسَاهْ، أَوِ اشْتَدَّ بِي الوَجَعُ" انتهى . وينظر للفائدة : "فتح الباري" (10/123-124) . قال ابن مفلح رحمه الله : " وَقَالَ صَاحِبُ الْمُحَرَّرِ: يُخْبِرُ بِمَا يَجِدُهُ لِغَرَضٍ صَحِيحٍ ، لَا لِقَصْدِ شَكْوَى" ، وَاحْتَجَّ أَحْمَدُ بِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ لِعَائِشَةَ لَمَّا قَالَتْ : وَا رَأْسَاهْ، قَالَ: (بَلْ أَنَا وَارَأْسَاهُ) . وَاحْتَجَّ ابْنُ الْمُبَارَكِ بِقَوْلِ ابْنِ مَسْعُودٍ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إنَّك لَتُوعَكَ وَعْكًا شَدِيدًا قَالَ: (أَجَلْ كَمَا يُوعَكُ رَجُلَانِ مِنْكُمْ). مُتَّفَقٌ عليه . وفي الفنون : قوله تعالى: ( لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَباً ) يَدُلُّ عَلَى جَوَازِ الِاسْتِرَاحَةِ إلَى نَوْعٍ مِنْ الشَّكْوَى عِنْدَ إمْسَاسِ الْبَلْوَى . قَالَ: وَنَظِيرُهُ: (يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ) و (مَسَّنِيَ الضُّرُّ) و(مَا زَالَتْ أُكْلَةُ خَيْبَرَ تُعَاوِدنِي) . وَفِي "تَفْسِيرِ ابْنِ الْجَوْزِيِّ" فِي الْآيَةِ الْأُولَى: هَذَا يَدُلُّ عَلَى إبَاحَةِ إظْهَارِ مِثْلِ هَذَا الْقَوْلِ عِنْدَمَا يَلْحَقُ الْإِنْسَانُ مِنْ الْأَذَى وَالتَّعَبِ، وَلَا يَكُونُ ذَلِكَ شَكْوَى." انتهى ، من "الفروع" (3/255) ، وينظر أيضا : "الآداب الشرعية" له (2/174) . قال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله : " فهذا اجتمع فيه سنتان : إقرارية ، وقولية ؛ أما الإقرارية : فإن النبي صلى الله عليه وسلم أقر عائشة عندما قالت : ( وارأساه ) ، وأما القولية : فهو نفسه قال : ( وارأساه ) . وعليه : فإن الإنسان إذا قال : وا رأساه ، وا بطناه.. ، أو ما أشبه ذلك : فلا حرج ؛ بشرط ألا يقصد بذلك أن يشكو الخالق إلى المخلوق ، بل يقصد التوجع مما قضاه الله عليه . فإذا كان مجرد خبر : فهذا لا بأس به ، ولاسيما إذا كان يذكر هذا عند من يريد أن يعالجه ؛ لأنه خبر مجرد ، ليس المراد به الاعتراض والتسخط على قضاء الله وقدره .." . انتهى من "شرح رياض الصالحين" (4/506) .
الثانية : أن يقصد بذلك التوجع والأنين ، شكاية الخالق للمخلوق ، والتسخط والاعتراض على القدر ، فهذا هو المذموم ، وفيه منافاة للصبر . جاء في " فتح الباري " (10/124) : " وَجزم أَبُو الطّيب وابن الصَّبَّاغِ وَجَمَاعَةٌ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ : أَنَّ أَنِينَ الْمَرِيضِ وَتَأَوُّهَهُ مَكْرُوهٌ ، وَتَعَقَّبَهُ النَّوَوِيُّ فَقَالَ : هَذَا ضَعِيفٌ أَوْ بَاطِلٌ ؛ فَإِنَّ الْمَكْرُوهَ مَا ثَبَتَ فِيهِ نَهْيٌ مَقْصُودٌ ، وَهَذَا لَمْ يَثْبُتْ فِيهِ ذَلِكَ ، ثُمَّ احْتَجَّ بِحَدِيثِ عَائِشَةَ فِي الْبَابِ ، ثُمَّ قَالَ : فَلَعَلَّهُمْ أَرَادُوا بِالْكَرَاهَةِ خِلَافَ الْأَوْلَى ، فَإِنَّهُ لَا شَكَّ أَنَّ اشْتِغَالَهُ بِالذِّكْرِ أَوْلَى. اهـ . وَلَعَلَّهُمْ أَخَذُوهُ بِالْمَعْنَى ، مِنْ كَوْنِ كَثْرَةِ الشَّكْوَى ، تَدُلُّ عَلَى ضَعْفِ الْيَقِينِ ، وَتُشْعِرُ بِالتَّسَخُّطِ لِلْقَضَاءِ ، وَتُورِثُ شَمَاتَةَ الْأَعْدَاءِ . وَأَمَّا إِخْبَارُ الْمَرِيضِ صَدِيقَهُ أَوْ طَبِيبَهُ عَنْ حَالِهِ ، فَلَا بَأْسَ بِهِ اتِّفَاقًا " انتهى .
وقال ابن القيم رحمه الله : " وأما الأنين ، فهل يقدح في الصبر ؟ فيه روايتان عن الامام أحمد . قال أبو الحسين: أصحهما الكراهة ؛ لما روي عن طاوس أنه كان يكره الأنين في المرض ، وقال مجاهد : كل شيء يكتب على ابن آدم مما يتكلم حتى أنينه في مرضه ؛ قال هؤلاء : وإن الأنين شكوى بلسان الحال ينافي الصبر . والرواية الثانية : أنه لا يكره ولا يقدح في الصبر . قال بكر بن محمد عن أبيه : سئل أحمد عن المريض يشكو ما يجد من الوجع ، فقال : تعرف فيه شيئا عن رسول الله ؟ قال : نعم ، حديث عائشة : " وارأساه " ، وجعل يستحسنه . والتحقيق : أن الأنين على قسمين : 1. أنين شكوى ، فيكره . 2. وأنين استراحة وتفريج ، فلا يكره ، والله أعلم " انتهى من " عدة الصابرين" (ص/272) . وقال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله : " ولا شك أن أنين المريض إذا كان ينبئ عن تسخط ، فإنه يكتب عليه ، أما إذا كان بمقتضى الحُمَّى ، فإن الله لا يكلف نفساً إلا وسعها " . انتهى من " شرح العقيدة السفارينية " لابن عثيمين (ص/424) . وللفائدة ينظر في جواب السؤال رقم : (228754) . والله أعلم .
فتاوى أخرى من مكتبتنا في الموضوع نفسه