هذا الموقع قيد المراجعة، لا تعتمد عليه في الأحكام النهائية.
خلاصة الفتوى (من المصدر)
وخلاصة ما سبق :
أن الآثار السابقة لا تقوى من حيث الصنعة الحديثية على الصمود أمام معايير المحدثين في قبول الأخبار لبناء الأحكام الشرعية عليها ، أو استشكالها ومعارضة الأدلة الشرعية بها .
وعلى فرض صحتها وثبوتها ، فليس من المنهج العلمي ، ولا من الإنصاف البحثي : البناء عليها ، وترك الأحاديث التي تنهى عن اقتناء الكلاب إلا لعذر ، وذلك لأنه لا يدرى عن سبب اقتناء هذه الكلاب من قبل أم المؤمنين ميمونة رضي الله عنها ، أو مالك بن دينار رحمه الله ، فقد يكون لسبب مشروع من صيد أو حراسة ، والراوي لم ينقل ذلك ؛ لأنه لم يكن في معرض التفصيل والتوسع في أجزاء الحكاية ، فاقتصر على الشاهد الذي يريده من العظة بتفضيل وفاء الكلب على غدر الإنسان .
ومن القواعد المستقرة في الفقه الإسلامي أن النصوص الشرعية لا تعارض بأقوال الرجال وأفعالهم المخالفة ، والحجة في النص النبوي ، وليس بفعل صحابي أو تابعي يخالف فيه النص وما أثر عن الصحابة والتابعين .
هذا على فرض ثبوت ما روي عنه ، وخلوه من الأعذار المبيحة للحاجة .
والله أعلم .
السؤال
ما صحة هذين الأثرين : - رَوى الإمام أحمد في " الزهد "، عن جعفر بن سليمان ، قال : " رأيت مع مالك بن دينار كلبا فقلت : ما تصنع بهذا يا أبا يحيى ؟ فقال : هذا خير من جليس السوء " . - يُروى أن أم المؤمنين ميمونة - زوج النبي صلى الله عليه وسلم - كان لها كلب يُقال له : مِسمار ، وكانت إذا حجَّت خرجت به معها ، فليس يطمع أحد بالقرب من رحلها مع مسمار ، فإذا رجعت ، جعلته في بني جَديلة ، وأنفقت عليه ، فلما مات ، قيل لها : مات مسمار . فبكت وقالت : فُجِعْتُ بمسمار. حيث يستدل به بعض الناس على جواز اقتناء الكلب لغير الحراسة والصيد ؟
الجواب
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
أولا : الأثر الأول عن مالك بن دينار ، يروى من طرق ثلاثة : الطريق الأول : طريق محرز بن عون قال : حدثنا أخي مختار ، عن جعفر بن سليمان الضبعي قال : " رأيت خلف مالك بن دينار كلبا يتبعه ، فقلت: ما هذا يا أبا يحيى؟ قال: هذا خير من جليس السوء " . أخرجه ابن المرزبان المحولي في " فضل الكلاب " (ص36)، والطبراني في " المعجم الأوسط " (1/ 200)، والخطابي في " العزلة " (ص49) ، والمخلِّص في " المخلصيات " (3/47، 4/172)، وأبونعيم في " حلية الأولياء " (2/384) ، والبيهقي في " الزهد الكبير " (ص/101) ، والخطيب البغدادي في " تاريخ بغدادي " (15/355) ، وابن عساكر في " تاريخ دمشق " (56/419) . الطريق الثاني : رواه ابن حبان في " روضة العقلاء " (ص82) قال : أنبأنا محمد بن أحمد بن الفرج البغدادي بالأبلة ، حدثنا إبراهيم بن حماد بن زياد ، حدثنا عبد العزيز بن الخطاب ، قال : " رؤي إلى جنب مالك بن دينار كلب عظيم ، ضخم ، أسود ، رابض ، فقيل له : يا أبا يحيى ! ألا ترى هذا الكلب إلى جنبك ! قال : هذا خير من جليس السوء ". الطريق الثالث : رواه أبو نعيم في " حلية الأولياء وطبقات الأصفياء " (2/ 384) قال : حدثنا محمد بن علي ، قال : ثنا أحمد بن عبد الله الوكيل ، قال : ثنا إبراهيم بن الجنيد ، قال : ثنا عمار بن زربي ، قال : ثنا حماد بن واقد الصفار ، قال : " جئت يوما مالك بن دينار وهو جالس وحده ، وإلى جانبه كلب ، وقد وضع خرطومه بين يديه ، فذهبت أطرده ، فقال : دعه ، هذا خير من جليس السوء ، هذا لا يؤذيني " . وخلاصة هذه الطرق الثلاثة أن الخبر عن مالك بن دينار محكي في كتب التاريخ والرواية ، غير أن إعمال المعيار الحديثي ، الذي أسسه النقاد للحكم على الأحاديث بالقبول أو الرد يقضي على هذه الآثار بالتضعيف ، لما في أسانيدها من رواة مجاهيل ، يطول المقام بتفصيل حالهم : الإسناد الأول فيه : مختار بن عون ، الذي لم نعثر له على ترجمة سوى في " تاريخ بغداد " (15/355) وليس فيها توثيق أو تجريح . والإسناد الثاني فيه : إبراهيم بن حماد بن زياد ، لم يرد فيه جرح ولا تعديل، سوى إيراد ابن حبان له في كتاب " الثقات " (8/74)، وكذلك محمد بن أحمد بن الفرج الأبلي ، الذي روى عنه ابن حبان ، ترجمه الخطيب ، ولم يذكر فيه جرحا ولا تعديلا . " تاريخ بغداد " (1/ 329). والإسناد الثالث فيه : حماد بن واقد الصفار ، قال فيه البخاري : منكر الحديث . وقال ابن عدي: عامة ما يرويه مما لا يتابعه الثقات عليه ، انظر " تهذيب التهذيب " (3/21)، وفيه أيضا عمار بن زربى ، قال فيه العقيلي : الغالب على حديثه الوهم ، ولا يعرف إلا به . ينظر " ميزان الاعتدال " (3/164) . ثانيا : أما أثر الكلب مسمار ، فقد رواه إبراهيم الحربي في " غريب الحديث " (3/ 907) قال : حدثنا عبد الله بن شبيب ، عن ابن أبي أويس ، عن أبيه ، عن عباس بن عبد الله بن معبد ، عن أبيه ، عن ميمونة ، أنه كان لها كلب ، فأخذه داء يقال له الجحام ، فقالت : وارحمتا لمسمار . تعني الكلب . والجحام : " داء يأخذ الكلب في رأسه ، فيكوى منه ما بين عينيه ، وقد يصيب الإنسان أيضا " كما في " النهاية في غريب الحديث والأثر " (1/ 241) . وهذا الإسناد شديد الضعف ، وذلك لعلتين : العلة الأولى : عبد الله بن شبيب ، وهو الربعي القيسي ، وقد اتفق المحدثون على تضعيفه : قال أبو أحمد الحاكم : " ذاهب الحديث " انتهى من " الأسامي والكنى " (5/ 65 - الشاملة). وقال ابن حبان : " يقلب الأخبار ويسرقها ، لا يجوز الاحتجاج به لكثرة ما خالف أقرانه في الروايات عن الأثبات " انتهى من " المجروحين " (2/47) . وقال ابن عدي : " سمعت عبدان يقول : قلت لعبد الرحمن بن خراش : هذه الأحاديث التي يحدث بها غلام الخليل من أين له ؟ قال : سرقها من عبد الله بن شبيب ، وسرقها عبد الله بن شبيب من النضر بن سلمة شاذان ، ووضعها شاذان " انتهى من " الكامل في ضعفاء الرجال " (5/ 430) وأورد له مجموعة من منكرات ما روى . وقال الخطيب البغدادي : " أخبرني محمد بن علي المقرئ ، قال : أخبرنا محمد بن عبد الله النيسابوري ، قال : سمعت أبا علي الحافظ ، يقول : كان أبو بكر محمد بن إسحاق ، يعني ابن خزيمة ، كتب عن عبد الله بن شبيب ، ثم لم يحدث عنه قط " انتهى من " تاريخ بغداد " (11/ 149) . وقال الذهبي : " مجمع على ضعفه " انتهى من " ديوان الضعفاء " (ص: 218) . العلة الثانية : ابن أبي أويس ، واسمه إسماعيل ، يروي عن أبيه عبد الله ، وإسماعيل وأبوه كلاهما لا يقبل تفردهما بالرواية الغريبة ، فقد قبلهما بعض الأئمة ، كالإمام أحمد وأبو حاتم ، غير أن آخرين ضعفوهما كما قال يحيى بن معين : أبو أويس وابنه ضعيفان ، وقال النسائي عن إسماعيل : ضعيف . فمثلهما إذا تفردا بغريب المرويات يتوقف فيه المحدثون ، لذلك قال عنه الدارقطني : لا أختاره في الصحيح . انظر " تهذيب التهذيب " (1/311) . وقال الذهبي : " استقرّ الأمرُ على توثيقه ، وتجنُّب ما يُنكر له " انتهى من " تاريخ الإسلام " (5/ 535) . فلا يقبل هذا الحديث الذي تفرد به دون غيره من الرواة ، خاصة وفي إسناده عبد الله بن شبيب المتهم بسرقة الأخبار وقلبها ، فيخشى أن يكون هذا منها مما اصطنع له الإسناد ، وحقيقته أنه غير ثابت . ولمراجعة ما سبق من فتاوى في حكم اقتناء الكلاب ، يرجى النظر في الأرقام الآتية : (69777) ، (153894) .
فتاوى أخرى من مكتبتنا في الموضوع نفسه