هذا الموقع قيد المراجعة، لا تعتمد عليه في الأحكام النهائية.
السؤال
قرأت عن سد الذرائع ، ولم أفهم بعض الأمور فيه ، فأحببت أن أسألكم عن هذا الموضوع .
الجواب
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
لم تبين في السؤال ما الذي أشكل عليك فهمه من قاعدة : " سد الذرائع " ، وعليه ، فسيكون الكلام في هذا الجواب عن تلك القاعدة ، على جهة العموم ؛ وذلك ببيان معنى القاعدة لغة واصطلاحاً ، والدلالة على ثبوتها من جهة النص والإجماع ، وذكر أقسام الذريعة من جهة ما يجب سده ، وما لا يجب ، والمختلف في سده .
أولاً : الذرائع جمع ذريعة ، وهي في اللغة : الوسيلة إلى الشيء . ويقصد بها في اصطلاح الفقهاء والأصوليين : ما كان ظاهره الإباحة ، لكنه يفضي ويؤول إلى المفسدة أو الوقوع في الحرام . قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله : " وَالذَّرِيعَةُ : مَا كَانَ وَسِيلَةً وَطَرِيقًا إلَى الشَّيْءِ ، لَكِنْ صَارَتْ فِي عُرْفِ الْفُقَهَاءِ : عِبَارَةً عَمَّا أَفَضْت إلَى فِعْلٍ مُحَرَّمٍ ، وَلَوْ تَجَرَّدَتْ عَنْ ذَلِكَ الْإِفْضَاءِ : لَمْ يَكُنْ فِيهَا مَفْسَدَةٌ . وَلِهَذَا قِيلَ : الذَّرِيعَةُ الْفِعْلُ الَّذِي ظَاهِرُهُ أَنَّهُ مُبَاحٌ ، وَهُوَ وَسِيلَةٌ إلَى فِعْلِ الْمُحَرَّمِ " . انتهى من " الفتاوى الكبرى " لابن تيمية (6/172) .
وقال الشاطبي رحمه الله : " حَقِيقَتَهَا : التَّوَسُّلُ بِمَا هُوَ مَصْلَحَةٌ ، إِلَى مَفْسَدَةٍ " انتهى من " الموافقات " (5/183) .
وعليه ، فالمقصود بقولهم : " سد الذرائع " ، أي : سد الطرق المؤدية إلى الفساد ، وقطع الأسباب الموصلة إليه ، وحسم مادة الفساد ، من أصلها . قال القرافي رحمه الله : " سَدُّ الذَّرَائِعِ ، وَمَعْنَاهُ : حَسْمُ مَادَّةِ وَسَائِلِ الْفَسَادِ ؛ دَفْعًا لَهَا ، فَمَتَى كَانَ الْفِعْلُ السَّالِمُ عَنْ الْمَفْسَدَةِ ، وَسِيلَةً لِلْمَفْسَدَةِ : مَنَعَ الإمام مَالِكٌ مِنْ ذَلِكَ الْفِعْلِ " انتهى من " الفروق " (2/32) .
ثانياً : دل على العمل بقاعدة : " سد الذرائع " أدلة من الكتاب ، والسنة . وممن أطال في ذكر تلك الأدلة : شيخ الإسلام ابن تيمية ، وتليمذه ابن القيم رحمهما الله ، بل عدّ ابن القيم رحمه الله باب : " سد الذرائع " : ربع الدين .
فمن تلك الأدلة : 1. قوله تعالى : ( وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ ) النور / 31 ، فمنع النساء من الضرب بالأرجل ، وإن كان جائزا في نفسه ؛ لئلا يكون سبباً إلى سماع الرجال صوت الخلخال ، فيثير ذلك دواعي الشهوة لديهم .
2. أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يكف عن قتل المنافقين ، مع كونه مصلحة ؛ لئلا يكون ذريعة إلى تنفير الناس عنه ، وقولهم : إن محمدا يقتل أصحابه ، فإن هذا القول يوجب النفور عن الإسلام ، ممن دخل فيه ، ومن لم يدخل فيه ، ومفسدة التنفير أكبر من مفسدة ترك قتلهم ، ومصلحة التأليف أعظم من مصلحة القتل .
وللاطلاع على غير ذلك من الأدلة ، ينظر : " الفتاوى الكبرى " لابن تيمية (6/174 - 180) ، و" إعلام الموقعين " لابن القيم (3/126) ، فقد ذكرا رحمهما الله من الشواهد والنصوص ما يدل على اعتبار قاعدة : " سد الذرائع " .
هذا ، وقد اتفق العلماء رحمهم الله على العمل بقاعدة : " سد الذرائع " ، في الجملة . قال الشيخ مصطفى مخدوم حفظه الله : " وبتحرير محل الخلاف يتضح لنا : أن أصل سد الذرائع متفق عليه ، ومعمول به في الجملة ، وإنما وقع الخلاف في بعض أنواعه ، وفي بعض الفروع الفقهية التي تتفاوت فيها قوة وقوع المفسدة ، وظهور القصد إليها . قال الإمام القرافي رحمه الله : " فليس سد الذرائع خاصاً بمالك رحمه الله ، بل قال بها هو أكثر من غيره ، وأصل سدها مجمع عليه " . وقال أيضاً : " وإنما النزاع في ذرائع خاصة ، وهي بيوع الآجال ونحوها " . وقال الإمام الشاطبي رحمه الله : " قاعدة الذرائع متفق على اعتبارها في الجملة ، وإنما الخلاف في أمر آخر " ..... " انتهى من " قواعد الوسائل " (ص/371-372) .
ثالثاً : الذرائع من جهة ما يجب سده ، وما لا يجب سده ، قد قسمها أهل العلم رحمهم الله ، إلى ثلاثة أقسام . قال الشيخ محمد الأمين الشنقيطي رحمه الله : " وَقد تقرر فِي الْأُصُول ، أَن الذرائع ثَلَاثَة أَقسَام : وَاسِطَة وطرفان . 1. طرف يجب سَده إِجْمَاعًا ، كسب الْأَصْنَام إِذا كَانَ عابدوها يسبون الله مجازاة على سبّ أصنامهم ؛ فسب الْأَصْنَام فِي حد ذَاته مُبَاح ، فَإِذا كَانَ ذَرِيعَة لسب الله : مُنِع بِنَصّ قَوْله تَعَالَى : ( وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ ) ، وكحفر الْآبَار فِي طَرِيق الْمُسلمين ؛ فإنه ذَرِيعَة لترديهم فِيهَا .
2. وطرف لَا يجب سَده إِجْمَاعًا ، وَهُوَ مَا كَانَت الْمفْسدَة فِيهِ تعارضها مصلحَة عظمى أرجح مِنْهَا ؛ كغرس شجر الْعِنَب ، فإنه ذَرِيعَة إِلَى عصر الْخمر مِنْهُ ، وعصرها ذَرِيعَة لشربها ، إِلَّا أَن مصلحَة انْتِفَاع الْأمة بالعنب وَالزَّبِيب فِي أقطار الدُّنْيَا : أرجح من مفْسدَة عصر بعض الْأَفْرَاد للخمر مِنْهَا . فقد أجمع الْمُسلمُونَ على جَوَاز غرس شجر الْعِنَب ، إِلْغَاءً للمفسدة المرجوحة بِالْمَصْلَحَةِ الراجحة ... .
3. وواسطة هِيَ مَحل الْخلاف بَين الْعلمَاء ، كالبيوع الَّتِي يسميها الْمَالِكِيَّة : بُيُوع الْآجَال ، ويسميها الْحَنَابِلَة وَالشَّافِعِيَّة : بيع الْعينَة ، كَأَن يَبِيع سلْعَة بِثمن إِلَى أجل ، ثمَّ يَشْتَرِيهَا بِعَينهَا بِثمن أَكثر من الأول ، لأجلٍ أبعد من الأول . فكلتا البيعتين فِي حد ذَاتهَا يظْهر أَنَّهَا جَائِزَة ، لِأَنَّهَا بيع سلْعَة بِثمن إِلَى أجل مَعْلُوم ، وَمن هُنَا قَالَ الشَّافِعِي وَزيد بن أَرقم بِجَوَاز ذَلِك . وَلكنه يحْتَمل أَن يكون ذَلِك ذَرِيعَة للربا ؛ لِأَن السّلْعَة الْخَارِجَة من الْيَد ، العائدة إِلَيْهَا : ملغاة ، فيؤول الْأَمر إِلَى أَنه عِنْد الْأَجَل الأول : دفع نَقْدا وَأخذ عِنْد الْأَجَل الثَّانِي أَكثر مِنْهُ ؛ وَهَذَا عين الرِّبَا . كَمَا أنكرته عَائِشَة رَضِي الله عَنْهَا على زيد بن أَرقم ، وبالمنع قَالَ مَالك وَأَصْحَابه وَأحمد وَأكْثر أَصْحَابه " انتهى من " منهج التشريع الإسلامي وحكمته " للشيخ الشنقيطي (ص/27-28) . وينظر – أيضاً – " الفروق " للقرافي رحمه الله (2/32) ، فقد ذكر تلك الأقسام التي ذكرها الشيخ الشنقيطي رحمه الله .
وقال الشاطبي رحمه الله : " وَهُوَ مَا يَكُونُ أَدَاؤُهُ إِلَى الْمَفْسَدَةِ نَادِرًا ؛ فَهُوَ عَلَى أَصْلِهِ مِنَ الْإِذْنِ ، لِأَنَّ الْمَصْلَحَةَ إِذَا كَانَتْ غَالِبَةً ؛ فَلَا اعْتِبَارَ بِالنُّدُورِ فِي انْخِرَامِهَا ، إِذْ لَا تُوجَدُ فِي الْعَادَةِ مَصْلَحَةٌ عَرِيَّةٌ عَنِ الْمَفْسَدَةِ جُمْلَةً ؛ إِلَّا أَنَّ الشَّارِعَ إِنَّمَا اعْتَبَرَ فِي مَجَارِي الشَّرْعِ غَلَبَةَ الْمَصْلَحَةِ ، وَلَمْ يَعْتَبِرْ نَدُورَ الْمَفْسَدَةِ؛ إِجْرَاءً لِلشَّرْعِيَّاتِ مَجْرَى الْعَادِيَّاتِ فِي الْوُجُودِ " انتهى من " الموافقات " (3/68) .
وقال شيخ الإسلام رحمه الله : " الذَّرِيعَةَ إلَى الْفَسَادِ يَجِبُ سَدُّهَا ، إذَا لَمْ يُعَارِضْهَا مَصْلَحَةٌ رَاجِحَةٌ ، وَلِهَذَا كَانَ النَّظَرُ الَّذِي يُفْضِي إلَى الْفِتْنَةِ مُحَرَّمًا ، إلَّا إذَا كَانَ لِمَصْلَحَةٍ رَاجِحَةٍ ، مِثْلُ نَظَرِ الْخَاطِبِ ، وَالطَّبِيبِ ، وَغَيْرِهِمَا ، فَإِنَّهُ يُبَاحُ النَّظَرُ لِلْحَاجَةِ ، لَكِنْ مَعَ عَدَمِ الشَّهْوَةِ " . انتهى من " الفتاوى الكبرى " (1/287) .
وللاستزادة في مسألة : " سد الذرائع " ينظر كتاب : " سد الذرائع في الشريعة الإسلامية " للشيخ محمد هشام البرهاني رحمه الله ، وهو كتاب موسع ومفيد ، وينظر أيضاً " قواعد الوسائل في الشريعة الإسلامية " للشيخ الدكتور مصطفى بن كرامة الله مخدوم حفظه الله ، عند كلامه عن قاعدة : " سد الذرائع " ( ص363 وما بعدها ) .
والله أعلم .
فتاوى أخرى من مكتبتنا في الموضوع نفسه