هذا الموقع قيد المراجعة، لا تعتمد عليه في الأحكام النهائية.
السؤال
قرأت عن المعبد الذي بناه سليمان عليه السلام ، وأن اليهود يبحثون الآن عن آثاره ويريدون أن يعيدوا بناءه على أنقاض المسجد الأقصى ؟ فما هو هذا المعبد ؟ وهل له شيء من القدسية ؟
الجواب
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
أولا : هذا المعبد الذي ورد في السؤال هو ما يسميه اليهود : "هيكل سليمان" . و"الهيكل" في اللغة العبرية يعني : " بيت الإله " . وحسب الرواية اليهودية فإن داود عليه السلام هو الذي أسس لبناء الهيكل ، ولكنه مات قبل أن يشرع في بنائه ، وأن ابنه سليمان عليه السلام هو الذي قام ببناء الهيكل فوق جبل موريا ، المعروف باسم هضبة الحرم ، وهو المكان الذي يوجد فوقه المسجد الأقصى ومسجد قبة الصخرة وللهيكل منزلة خاصة في قلوب وعقول اليهود ، فإنهم يزعمون أنه أهم مكان للعبادة ، وأن سليمان بناه لهم ولديانتهم .
ثانيا : بعد وفاة سليمان عليه السلام اختلف أولاده فانقسمت مملكته إلى مملكتين على كل مملكة أحد أبناء سليمان . الأولى في الشمال ، وتسمى "مملكة إسرائيل" أو "مملكة السامرة" وعاصمتها "نابلس" . والثانية في الجنوب وهي "مملكة يهوذا" وعاصمتها "أورشليم" (القدس) . وقد دمرت وانتهت مملكة الشمال "إسرائيل" ، وذلك في عام 721 ق . م . وبعد ذلك بحوالي 150 سنة دمرت المملكة الثانية ، "مملكة يهوذا" . ويسعى اليهود إلى استعادة مملكتهم وإعادة بناء الهيكل . جاء في "دائرة المعارف البريطانية" طبعة 1926 م : "أن اليهود يتطلعون إلى اجتماع الشعب اليهودي في فلسطين واستعادة الدولة اليهودية وإعادة بناء الهيكل وإقامة عرش داود في القدس ثانية وعليه أمير من نسل داود " انتهى .
ثالثا : ليس هناك كتاب تاريخي ، أو مصدر موثوق به : يثبت لنا بناء سليمان عليه السلام للهيكل ، ولا يثبت لنا تاريخه ، ولكننا سنذكر تاريخا مختصرا للهيكل المزعوم ، كما ورد في كتب اليهود ، ثم نبين بعد ذلك أن هيكل سليمان ما هو إلا خرافة ، لا وجود لها في حقيقة الأمر!!
- الذي أسس لبناء الهيكل هو داود عليه السلام ، والذي بناه بالفعل هو سليمان عليه السلام . - استغرقت مدة البناء سبع سنوات ، وشارك في البناء أكثر من 180 ألف رجل !! - دمر الهيكل للمرة الأولى على يد القائد البابلي بختنصر عام 586 ق . م . - بعد ذلك بعشرات السنين سُمح لليهود المأسورين في بابل بالرجوع إلى القدس ، فرجعوا إليها وأعادوا بناء الهيكل نحو سنة 521 ق . م . - ثم دمر الهيكل مرة أخرى على يد "تيطس" ابن الامبراطور الروماني "سباستيان". وكان هذا هو التدمير الثاني للهيكل . - وحتى لا ينسى اليهود الهيكل ، ويبقى حيا في ذاكرتهم ، ابتدع حاخاماتهم طقوسا ومراسم يقوم بها كل يهودي حتى يتذكر الهيكل ، عند الميلاد وعند الموت ، وعند الزواج ، وعند طلاء البيت ... إلخ . - وكان التدمير الثاني للهيكل في التاسع من أغسطس ، فصام اليهود هذا اليوم من كل عام تخليدا لهذه الحادثة . - وفي عام 135 م (في عهد الامبراطور هارديان) تم تدمير المدينة ، وطرد اليهود منها ، وأقيمت مكانها مدينة جديدة ، سميت بـ "إيليا كابي تولينا" ، وبقيت تحمل هذا الاسم حتى دخلها المسلمون في عهد الخليفة الثاني عمر بن الخطاب رضي الله عنه ، وصارت تسمى : "القدس" أو "بيت المقدس" . - وفي عام 313 م اعتنق الامبراطور قسطنطين المسيحية ، وبدأ ببناء الكنائس ، فكانت كنيسة القيامة أول الكنائس التي أقيمت في تلك الفترة ، وجعل مكان الهيكل مكانا لرمي القمامات نكاية في اليهود . - تشتت اليهود في جميع بقاع الأرض ، بسبب غدرهم ، وقتلهم الأنبياء ، وعصيانهم لله – كما يقول اليهود أنفسهم – فذهبوا إلى الجزيرة العربية والعراق ومصر وأوروبا – ونسي اليهود القدس ، ونسوا الهيكل ، إلى أن جاء القرن التاسع عشر الميلادي ، فأخذوا يقلبون صفحات التاريخ المطوية للبحث عن أية مزاعم يهودية تبرر لهم الرجوع إلى القدس . - فصاروا يعقدون المؤتمرات تلو المؤتمرات ، وكان أول مؤتمر صهيوني قد عقد في مدينة بازل بسويسرا عام 1897 م ، بقيادة تيودور هرتزل ، بهدف إنشاء وطن قومي لليهود في فلسطين حتى يتمكنوا من إعادة بناء الهيكل . - يدعي اليهود أن حائط المبكي [ يقع في الجهة الغربية من المسجد الأقصى] هو من بقايا هيكل سليمان !! - يدعي اليهود أن عودة ملكهم لن تكون إلا بالرجوع إلى القدس وإعادة بناء الهيكل ، ويدعون أيضا أن المسجد الأقصى بني على أنقاض الهيكل . مما يعني أنه لابد من هدم المسجد الأقصى لإعادة بناء الهيكل ، وأن ممكلة اليهود لن تقوم إلا بذلك . - كما يدعون أن الهيكل هو أقدس مكان على وجه الأرض . هذه باختصار قصة الهيكل كما يؤمن بها اليهود .
رابعا : هناك أدلة عديدة كلها تدل على بطلان نسبة الهيكل لسليمان عليه السلام ، وأن بناء سليمان للهيكل هو مجرد أكذوبة من أكاذيب اليهود ، والأدلة على ذلك كثيرة ، بعضها يستفاد مما كتبه اليهود أنفسهم عن الهيكل ! من هذه الأدلة : 1- أنه لا يوجد مصدر موثوق به يثبت بناء سليمان عليه السلام لهذا الهيكل ، فالقرآن الكريم قص علينا قصة داود وسليمان عليهما السلام في عدة مواضع ، وذكر قصة سليمان مع بلقيس والهدهد والنملة ومع الجن ، وبعض هذه الأحداث تبدو أقل أهمية من الهيكل! فلماذا لم يتكلم القرآن الكريم عن الهيكل ؟ إذا كان بهذه القدسية والجلالة التي يذكرها اليهود ؟! 2- أنه لا وجود لهذا الهيكل إلا في كتب اليهود ، وهي كتب لا يوثق بما فيها ، حتى الكتاب المقدس نفسه – قد اعترف كثير من علماء اليهود والنصارى والمؤرخين أنه امتدت إليه أيدي التحريف والتلاعب والزيادة والنقصان ، مما يعني أنه لم يعد مصدرا تاريخيا موثوقا به . ولا يوجد له إسناد متصل إلى موسى عليه السلام ، ولا إلى الأنبياء الذين جاءوا بعده ، وكُتِبَ تاريخُهم في ذلك الكتاب .
وفي سفري الملوك الأول والثاني ، وهما اللذان تحدثا عن الهيكل ، يقول اليهود إن كاتبهما هو أرميا النبي ، وهذا باطل ، لأن السفر الثاني تمتد أحداثه إلى ما بعد عصر أرميا ، فلا يعقل أن يكون هو كاتبه . انظر : "المدخل إلى الكتاب المقدس" لحبيب سعيد (ص 99) . ومن هنا شكك العلماء والمؤرخون في هذين السفرين . وذكر الطبيب الفرنسي موريس بوكاي أن أسفار صموئيل والملوك قد شك العلماء في قيمتها التاريخية ، حيث تختلط الأحداث بالأساطير ، وأن فيها أخطاء متعددة ، وأن الحدث الواحد يكون له روايات مزدوجة وحتى ثلاثية . "دراسة الكتاب المقدس في ضوء المعارف الحديثة" (ص34) . وأيضا : شكك العلماء في سفري أخبار الأيام ، الأول والثاني ، اللذين جاء فيهما أيضا ذكر بناء سليمان للهيكل .
كما شكك علماء كثيرون من اليهود والنصارى في "العهد القديم" كله كمصدر موثوق به ، ومن هؤلاء : "ول ديورانت" صاحب كتاب "قصة الحضارة" ، و"باروخ سبينوزا" الفيلسوف اليهودي ، و"موريس بوكاي" الطبيب الفرنسي .. وغيرهم . يقول صاحب موسوعة بيت المقدس : "إن بناء الهيكل هو خرافي وخيالي ، نسبه اليهود إلى سيدنا سليمان ، وقصة بناء الهيكل لا يعترف بها التاريخ ، وليس لها مصادر إلا كتب يهود " انتهى . 3- الأسفار التي تحدثت عن الهيكل مختلفة متناقضة فيما بينها ، مما يدل على أنها ليست كتبا مقدسة ولا وحيا من الله ، وإنما هي كتابات بشرية نسبت زورا وبهتانا إلى الله . من هذه الاختلافات : أن سفر الملوك الأول يذكر أن عدد الوكلاء لسليمان (وهم المشرفون على العُمَّال ) كان (3300 ) رجلا . الإصحاح الخامس (14-16) . وفي سفر الأيام الثاني يذكر أن عددهم (3600 ) . الإصحاح الثاني (221) . وهم يَدَّعُون أن هذه الأسفار هي وحي من الله على الأنبياء الذين جاؤوا بعد سليمان ، فيستحيل أن يكون بينها اختلاف أو تضاد . 4- الدارس لنصوص الكتاب المقدس المتعلقة ببناء الهيكل يأخذه العجب والاستنكار ، بل يجزم بأن قصة البناء خرافة وأسطورة لا حقيقة لها . ذلك لأنه سيقف أمام بناء عظيم جدا ، قد يكون من أعظم الأبنية التي عرفتها البشرية ، فالمواد المستخدمة في البناء وعدد العمال كان خياليا ، مبالغا فيه بما يتجاوز حدود المنطق . فالذهب كان مائة ألف وزنة ، [ والوزنة تعادل ستة عشر جراما تقريبا] أي : 1,6 طن من الذهب ! والفضة : مليون وزنة أي : 16 طن من الفضة ! والحديد والنحاس بلا وزن لأنه كثير ، والخشب والحجارة تزيد عليها ! وعدد العمال المشاركين في البناء 180 ألف عامل ، منهم 30 ألف عامل أرسلهم سليمان إلى لبنان لقطع الأشجار من هنالك . وعليهم رؤساء عددهم 3600 أو 3400 حسب اختلاف الأسفار في عددهم . وعلى الرغم من كل هذه المواد والعمال كم كان طول وعرض وارتفاع الهيكل ؟ يذكر الكتاب المقدس أن طول الهيكل ستون ذراعا (30 مترا تقريبا) ، وعرضه عشرون ذراعا (10 أمتار) ، وارتفاعه ثلاثون ذراعا (15 مترا) ، والرواق (الفناء) الذي أمامه طوله عشرون ذراعا وعرضه عشرة أذرع . سفر الملوك الأول الإصحاح السادس ، سفر أخبار الأيام الثاني الإصحاح الثالث . أي أن حجم الهيكل كان 30 م × 10 م × 15 م أي : كانت مساحة أرضه 300 م 2 بارتفاع أربع أو خمس طوابق !! فهل يعقل أن تستخدم كل هذه المواد ، ويشارك في البناء 180 ألف عامل لمدة سبع سنوات ، من أجل هذا البناء الصغير ؟! إن هذه الأكاذيب والمبالغات ليس الهدف منها إلا إضفاء نوع من العظمة والجلالة لهذا الهيكل المزعوم . 5- أن اليهود أنفسهم لا يتفقون على هيكل واحد ، ومكان واحد ، فيهود مملكة السامرة يقولون : إن هيكلهم في مدينة "نابلس" ، وليس في "القدس" ، وآخرون يقولون : إنه في قرية "بيتين" شمال القدس ، ومجموعة ثالثة تقول : إن هيكلها أقيم على تل القاضي "دان" ، وهكذا كله مما يؤكد أن قصة الهيكل هي أسطورة ، لأن كل هذه الهياكل لا وجود لها ، ولم يعثر لها على أي أثر . 6- أن من ذكر هذه الهياكل أثبت أنها قد دمرت بالكامل ، فالقدس قد دمرت عام 70 م وأصبحت خرابا يبابا بما فيها الهيكل ، فالبحث عن بناء قد دمر نهائيا منذ ألفي سنة هو عبث في عبث . 7- الدلائل التاريخية تفيد أن الذي بنى المسجد الأقصى هو إبراهيم ، أو حفيده يعقوب عليهما السلام ، وكان ذلك قبل سليمان بمئات السنين ، فليس من المعقول أن يقوم سليمان بهدم مكان بناه نبي مثله لعبادة الله تعالى ، من أجل أن يقيم عليه هيكلا . روى البخاري (3366) ، ومسلم (520) عَنْ أَبِي ذَرٍّ رضي الله عنه ، قَالَ : " قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللهِ : أَيُّ مَسْجِدٍ وُضِعَ فِي الْأَرْضِ أَوَّلُ ؟ قَالَ : ( الْمَسْجِدُ الْحَرَامُ ) ، قُلْتُ : ثُمَّ أَيٌّ ؟ قَالَ : ( الْمَسْجِدُ الْأَقْصَى ) قُلْتُ : كَمْ بَيْنَهُمَا ؟ قَالَ : ( أَرْبَعُونَ سَنَةً ". انظر : البداية والنهاية (1/375) ، " التحرير والتنوير " (4/15). وينظر السؤال رقم : (
كل هذه الأدلة والشواهد – وغيرها – تدل على أن قضية الهيكل هي مجرد أكاذيب ، كتبها كتبة "الكتاب المقدس" ، ونسبوها إلى الله ، لربط اليهود بتلك المدينة ، وحثهم على الرجوع إليها ، باعتبار أن ملكهم لن يتم إلا باستعادة ذلك الهيكل المزعوم .
وهناك كتب ورسائل عديدة كتبت حول الهيكل ، انظر منها : "الهيكل المزعوم بين الوهم والحقيقة" للدكتور عبد الناصر قاسم الفرا . و"نقص المزاعم الصهيونية في هيكل سليمان " للدكتور صالح حسين الرقب .
والله أعلم .
فتاوى أخرى من مكتبتنا في الموضوع نفسه