هذا الموقع قيد المراجعة، لا تعتمد عليه في الأحكام النهائية.
السؤال
في بعض الأحيان يكون هناك لقاء أو اجتماع أو مؤتمر ويحضر وقت الصلاة ، فهل يلزمنا الخروج من هذا الاجتماع وقطعه لشهود الصلاة في المسجد مع ما في ذلك من مشقة أم لا ؟
الجواب
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
الحمد الله أولاً : صلاة الجماعة فرض عين على الرجال البالغين القادرين ، على أرجح قولي العلماء ، كما سبق بيان هذا في جواب السؤال : (40113) ، (38881) .
ولكن إذا وجد جماعة من الناس في مكان ما لتنظيم حفل ، أو في استراحة ، أو اجتماع ، أو مؤتمر أو نحو ذلك من اللقاءات ، وحضر وقت الصلاة ، فهل يلزمهم ترك ما هم فيه والذهاب للصلاة في المسجد ، أو يجوز لهم الصلاة جماعة في مكانهم ؟ الحكم في هذه المسألة يتوقف على بيان أمرين : 1-هل يجب أداء صلاة الجماعة في المسجد أم يكفي فعلها في أي مكان ؟ 2- وهل هذا يدخل في جنس الأعذار التي تبيح ترك الجماعة في المسجد ؟
ثانياً : اختلف العلماء في صلاة الجماعة ، هل يجب فعلها في المسجد أم يتحقق الواجب بأدائها في غير المسجد ؟ ومذهب جمهور العلماء – ومنهم الحنابلة القائلون بأن الجماعة فرض عين – أن أداء الجماعة في المسجد سنة ، والواجب يتحقق بصلاتها جماعة ، ولو في غير المسجد . قال الإمام الشافعي : " فَلَا أُرَخِّصُ لِمَنْ قَدَرَ عَلَى صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ فِي تَرْكِ إتْيَانِهَا إلَّا مِنْ عُذْرٍ ... وَكُلُّ جَمَاعَةٍ صَلَّى فِيهَا رَجُلٌ : فِي بَيْتِهِ ، أَوْ فِي مَسْجِدٍ صَغِيرٍ ، أَوْ كَبِيرٍ، قَلِيلِ الْجَمَاعَةِ أَوْ كَثِيرِهَا أَجْزَأَتْ عَنْهُ " انتهى من " الأم" (1/180). وقال ابن قدامة في " المغني " : " وَيَجُوزُ فِعْلُهَا فِي الْبَيْتِ وَالصَّحْرَاءِ . وَقِيلَ فِيهِ رِوَايَةٌ أُخْرَى : إنَّ حُضُورَ الْمَسْجِدِ وَاجِبٌ ، إذَا كَانَ قَرِيبًا مِنْهُ " . انتهى من "المغني" (3/8) . وقال ابن مفلح : " وَفِعْلُهَا فِي الْمَسْجِدِ : سُنَّةٌ " انتهى من "الفروع" (2/421) .
وذهب بعض العلماء إلى وجوب فعلها في المسجد ، وهو رواية عن الإمام أحمد ، ومذهب الظاهرية ، واختارها جمع من المحققين . ينظر: " المحلى" (4/188) ، "الإنصاف" للمرداوي (2/213). قال شيخ الإسلام ابن تيمية: " من صلى في بيته جماعة : فهل يسقط عنه حضور المسجد؟ فيه نزاع ، وينبغي أن لا يترك حضور المسجد إلا لعذر" . انتهى من "مختصر الفتاوى المصرية" صـ 52. وقال ابن دقيق العيد : " وَإِنَّمَا تَرَدَّدَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ فِي أَنَّ إقَامَةَ الْجَمَاعَةِ فِي غَيْرِ الْمَسَاجِدِ: هَلْ يَتَأَدَّى بِهَا الْمَطْلُوبُ ؟ فَعَنْ بَعْضِهِمْ: أَنَّهُ لَا يَكْفِي إقَامَةُ الْجَمَاعَةِ فِي الْبُيُوتِ فِي إقَامَةِ الْفَرْضِ ، أَعْنِي إذَا قُلْنَا: إنَّ صَلَاةَ الْجَمَاعَةِ فَرْضٌ عَلَى الْكِفَايَةِ . وَقَالَ بَعْضُهُمْ: يَكْفِي إذَا اشْتَهَرَ، كَمَا إذَا صَلَّى صَلَاةَ الْجَمَاعَةِ فِي السُّوقِ مَثَلًا. وَالْأَوَّلُ عِنْدِي: أَصَحُّ ؛ لِأَنَّ أَصْلَ الْمَشْرُوعِيَّةِ إنَّمَا كَانَ فِي جَمَاعَةِ الْمَسَاجِدِ ، هَذَا وَصْفٌ مُعْتَبَرٌ لَا يَتَأَتَّى إلْغَاؤُهُ " انتهى من "إحكام الأحكام" (1/ 191) . ورجح ابن القيم هذا القول فقال: "ومن تأمل السنة حق التأمل تبين له أن فعلها في المساجد فرض على الأعيان ، إلا لعارض يجوز معه ترك الجمعة والجماعة ، فترك حضور المسجد لغير عذر : كترك أصل الجماعة لغير عذر، وبهذا تتفق جميع الأحاديث والآثار.... فالذي ندين الله به : أنه لا يجوز لأحد التخلف عن الجماعة في المسجد إلا من عذر . والله أعلم بالصواب" انتهى من " كتاب الصلاة" صـ 416 وينظر جواب السؤال : (72398) .
ثالثاً : ذكر العلماء كثيراً من الأعذار التي تبيح التخلف عن صلاة الجماعة : كالمطر الشديد ، والبرد الشديد ، والحر الشديد الذي يخرج عما ألفه الناس ، والوحل الذي يتأذى به الإنسان ، والخوف على النفس والمال والأهل ، وحضور للطعام الذي تتوق نفسه له ، ومدافعة الأخبثين ، ووجود رائحة كريهة تخرج منه بسبب أكل ثوم أو بصل ونحوهما ، أو انشغاله برعاية مريض له ، أو خشية فوات الرفقة في سفر مباح ... إلخ . ينظر جواب السؤال : (106287) ، (129681) ، (127876) .
وهذه الأعذار : منها ما يتعلق بوجود ضرر على الإنسان ، أو حفظ مصلحة له ، أو دفع للأذى عنه ، أو به ، أو انشغاله بأمر تعلقت نفسه به .
وهذه الأعذار غير محصورة بما ذكره الفقهاء ، بل قال النووي: " باب الأعذار في ترك الجمعة والجماعة ليس مخصوصاً ، بل كل ما يلحق به مشقة شديدة : فهو عذر ". انتهى من "المجموع" (4/384) .
وهذه الاجتماعات واللقاءات أنواع مختلفة : فقد يكون الذهاب للمسجد أمراً ميسوراً لا يترتب عليه أدنى حرج ، فمثل هذا لا يرخص فيه بترك الصلاة في المسجد . وقد يكون الذهاب للمسجد في بعض الصور والحالات مما يترتب عليه حرج ومشقة ، فيرخص فيه بفعلها جماعة في مكان وجودهم .
وعليه يقال : إذا تيسر الذهاب لمسجد قريب دون مشقة أو حرج : فهو الواجب المتعين . وإن تعذر ذلك : إما لوجود مشقة في الذهاب ، أو لوجود حرج في تفرق المجتمعين ، وانفراط عقد اجتماعهم ، أو اختلال نظام اللقاء والمؤتمر ، أو وجود مصلحة في استمرار اللقاء دون انقطاع : فالذي يظهر : أنه يرخص لهم بالصلاة جماعة في مكانهم .
ويقوي جانب هذه الرخصة : وجود الخلاف المعتبر بين العلماء في لزوم أداء الجماعة في المسجد ، وأن الأعذار التي ذكرها العلماء في التخلف عن الجماعة تدل على أن الأمر فيه سعة عند وجود الحاجة ، وهي أعذار لمن تخلف عن صلاة الجماعة في المسجد للصلاة منفرداً ، فكيف إذا كان التخلف لفعلها في جماعة ؟ فلا شك أنه أدعى للترخيص والتخفيف ، وأن باب العذر هنا أوسع .
روى ابن أبي حاتم عن صالح ابن الإمام أحمد قال : " حضرت عند إبراهيم بن أبي الليث ، وحضر علي ابن المديني ، وعباس العنبري وجماعة كثيرة ، فنودي بصلاة الظهر . فقال علي ابن المديني : نخرج إلى المسجد أو نصلي ههنا ؟ فقال أحمد : نحن جماعة نصلي ههنا ، فصلوا. قال أبو محمد : رجوع الجماعة الذين حضروا إلى قول أحمد ، في ترك الخروج إلى المسجد ، وجمع الصلاة هناك : من جلالة أحمد ، وموقع كلامه عندهم " . انتهى من "الجرح والتعديل" (1/ 298).
ولعل الإمام أحمد رأى في استمرار "مجلس التحديث" مصلحةً ، قد تفوت بذهابهم للمسجد .
وقريب من هذا ترخيص الشيخ ابن عثيمين للطلاب والموظفين بأداء صلاة الجماعة في أماكنهم ، دون الذهاب للمسجد ، لما في ذلك من المصالح . قال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله : " ولكن ها هنا مسألة في وقتنا الحاضر : أحياناً تكون المساجد إلى جنب مصلحة حكومية أو مدرسة ، وإذا خرجوا إلى المسجد : فإنه أولاً ، إن كانوا طلاباً ضيقوا المسجد ، وربما يعبثون فيه ، وربما يتفرقون ولا يصلون ، فهل يرخص لهم في هذه الحال أن يصلوا في المدرسة ؟ الجواب : نعم ، أولاً دفعاً لأذاهم ، وثانياً : لأجل أن لا يهرب أحد عن الجماعة ، وثالثاً : أن هذا ليس أمراً دائماً راتباً ، إنما هو أمر عارض في صلاة واحدة . وكذلك يقال في بعض الدوائر التي لها مساس بعامة الناس : لو أن أهل الدائرة أغلقوا الدائرة وذهبوا ، لتعطلت أمور الناس من جهة ، ولذهب بعض هؤلاء الموظفين إلى بيوتهم كما هو واقع ، يخرج على أنه سيصلي ثم يذهب إلى البيت . فمثل هؤلاء أيضاً نقول : يرخص لكم في أن تصلوا مكانكم ، لما يترتب على ذلك من حفظ الوقت وعدم ضياعه ، ولأنهم إذا كانوا لهم مساس بالجمهورِ وعامةِ الناسِ ، يعطلون الناسَ إذا ذهبوا ، ولأنه ربما يكون هناك وثائق يصعب أن الإنسان يغلق الباب ثم يرجع ويفتح ، وإن تركها خاف عليها من الضياع أو من السرقة". تعليقات ابن عثيمين على الكافي لابن قدامة (2/ 29، بترقيم الشاملة آليا) .
والأولى بالقائمين على مثل هذه اللقاءات والمؤتمرات : تنظيمها بشكل لا يتعارض مع أداء الصلاة جماعة في المسجد ، بحيث يكون هناك فاصل متاح لأداء الصلاة .
والله أعلم .
فتاوى أخرى من مكتبتنا في الموضوع نفسه