هذا الموقع قيد المراجعة، لا تعتمد عليه في الأحكام النهائية.
خلاصة الفتوى (من المصدر)
فالحاصل : المقطوع به أن الصحابة رضوان الله عليهم لم يتعمدوا مخالفة النهي عن العقوبة بالتحريق ، وما روي عن بعضهم إما أنه غير صحيح ، أو أنه صحيح لكنهم معذورون فيه وفعلوه عن اجتهاد وهم من أهله .
والمجتهد إذا بذل كل وسعه للقضاء والفتوى بالحق وأخطأ فإنه مأجور وليس بآثم .
السؤال
ألم يقل النبي صلى الله عليه وسلم: لا يعذب بالنار إلا الله ؟! وبالتالي أليس الحرق محرم في الشرع ؟ لقد ذكرتم في الفتوى رقم : (38622) أن علياً وأبا بكر وخالد بن الولد حرقوا مرتكبي جريمة اللواط ، أفلا يأثمون لفعل ذلك ؟ وحتى على فرض أنه يُقتل قصاصاً، أليس القصاص بالحرق حرام ؟
الجواب
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
العقوبة بالتحريق بالنار قد ثبت النهي عنها . عَنْ عِكْرِمَةَ : " أَنَّ عَلِيًّا رضى الله عنه حَرَّقَ قَوْمًا ، فَبَلَغَ ابْنَ عَبَّاسٍ فَقَالَ : لَوْ كُنْتُ أَنَا لَمْ أُحَرِّقْهُمْ ، لأَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ : لاَ تُعَذِّبُوا بِعَذَابِ اللَّهِ ، وَلَقَتَلْتُهُمْ كَمَا قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم : مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ " رواه البخاري ( 3017 ) . وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، أَنَّهُ قَالَ : " بَعَثَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي بَعْثٍ فَقَالَ: ( إِنْ وَجَدْتُمْ فُلاَنًا وَفُلاَنًا فَأَحْرِقُوهُمَا بِالنَّارِ ) ، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ أَرَدْنَا الخُرُوجَ : ( إِنِّي أَمَرْتُكُمْ أَنْ تُحْرِقُوا فُلاَنًا وَفُلاَنًا ، وَإِنَّ النَّارَ لاَ يُعَذِّبُ بِهَا إِلَّا اللَّهُ ، فَإِنْ وَجَدْتُمُوهُمَا فَاقْتُلُوهُمَا ) " رواه البخاري ( 3016 ) . قال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى : " وأما حديث الباب فظاهر النهي فيه التحريم " انتهى من " فتح الباري " ( 6 / 150 ) . وهذا النهي العام عن العقوبة بالتحريق بالنار استثنى منه جمهور أهل العلم التحريق بالنار على سبيل القصاص ، والمعاقبة بالمثل ؛ فمن حرَّق غيره ، يجوز ـ على هذا القول ـ أن يعاقب بالحرق قصاصا . واستدلوا بقوله تعالى : ( فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ )البقرة /194. وقوله تعالى : ( وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُم بِهِ وَلَئِن صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِّلصَّابِرِينَ )النحل /126 . والقاعدة الأصولية تقول : إن إعْمال النصين الصحيحين ، غير المنسوخين : أولى من إهمال أحدهما . وراجع للفائدة الفتوى رقم : ( 147416 ) . فلهذا يرى جمهور الفقهاء جواز التحريق بالنار على وجه القصاص . قال ابن الملقن رحمه الله تعالى : " وقالت طائفة : من حرق يحرق ، وبه قال مالك وأهل المدينة والشافعي وأصحابه وأحمد وإسحاق " انتهى من " التوضيح لشرح الجامع الصحيح " ( 18 / 61 ) . ثانيا : أما ما ذكر في الفتوى رقم : (38622) من أن علياً وأبا بكر وخالد بن الولد حرقوا مرتكبي جريمة اللواط ، فيقال في الجواب عنه : الصحابة رضوان الله عليهم ، خاصة كبارهم كالخلفاء الراشدين الأربعة وغيرهم قد أثنى الله عليهم في القرآن وثبتت فضائلهم بالسنة ، وكل ذلك بسبب شدة امتثالهم وطاعتهم لأوامر الشرع ، وثباتهم عليها واجتهادهم في الدعوة إليها حتى لقوا الله تعالى وهم كذلك . ومن كانت هذه حالهم ، فإننا إذا وجدنا لهم قضاء أو فتوى ظاهرها يعارض نصا شرعيا ، ففي هذه الحالة يجب اتباع الآتي : الخطوة الأولى : علينا أن نتأكد من صحة ما نسب إليهم . فلا يجوز أن ننسب لشخص شيئا لم نتأكد من صحة ثبوته . وحوادث القتل بالنار المنسوبة للصحابة رضوان الله عليهم ليست كلها صحيحة ، وما جاء في الفتوى رقم : ( 38622 ) التي أشرت إليها ، فهذه الفتوى كانت بصدد بيان أقوال أهل العلم في عقوبة فاعل فاحشة اللواط ، فسيقت جميع الأقوال المذكورة في كيفية العقوبة على هذه الفاحشة . وقد ذكر التحريق اتباعا لمن قال بثبوته عن الصحابة ، كابن القيم رحمه الله تعالى حيث قطع بثبوت هذه الحادثة كما سيق قوله في الفتوى . لكن يوجد من خالف ابن القيم وضعف هذه القصة ؛ ومنهم البيهقي رحمه الله تعالى حيث قال في "السنن الكبرى" ( 17 / 219 ) : " هذا مرسل " انتهى . ومن المعروف : أن المرسل أحد أنواع الحديث الضعيف. وقال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى : " أما الإحراق : فروى ابن أبي الدنيا من طريق البيهقي ، ومن طريق ابن المنكدر : أن خالد بن الوليد كتب إلى أبي بكر أنه وجد رجلا في بعض نواحي العرب ، ينكح كما تنكح المرأة ، فجمع أبو بكر الصحابة ، فسألهم ، فكان أشدهم في ذلك قولا علي ، فقال : نرى أن نحرقه بالنار ، فاجتمع رأي الصحابة على ذلك . قلت : وهو ضعيف جدا ، ولو صح لكان قاطعا للحجة ". انتهى من " الدراية في تخريج أحاديث الهداية " ( 2 / 103 ) . وعلق الشيخ بكر أبو زيد على هذه الرواية بقوله : " وحكم الأئمة بأنه حديث مرسل كما صرح به البيهقي والشوكاني " . انتهى من " الحدود والتعزيرات عند ابن القيم " ( ص 175 ) . فالحاصل أن هذه الحادثة غير مقطوع بصحتها وثبوتها . الخطوة الثانية : ففي حالة صحة نسبة فتوى أو قضاء ما ، كقصة علي رضي الله عنه . عَنْ عِكْرِمَةَ : " أَنَّ عَلِيًّا رضى الله عنه حَرَّقَ قَوْمًا ، فَبَلَغَ ابْنَ عَبَّاسٍ فَقَالَ : لَوْ كُنْتُ أَنَا لَمْ أُحَرِّقْهُمْ ، لأَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ : (لاَ تُعَذِّبُوا بِعَذَابِ اللَّهِ )، وَلَقَتَلْتُهُمْ كَمَا قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم : ( مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ ) " رواه البخاري ( 3017 ) . ففي مثل هذه الحادثة لا بد من وجود سبب جعل عليّا رضي الله عنه يقضي بالتحريق ، وهذه الأسباب المحتملة : السبب الأول : لعله لم يصله حديث النهي ، فالصحابة رضوان الله عليهم هم كباقي البشر ، يفوت الواحد منهم من العلم ، بحسب حاله ، كما فات أبا بكر وعمر ، مسائل من العلم ، علمها غيرهم ، وهما أفضل من علي رضي الله عنهم جميعا . وكما فاتت غيرهم أيضا من مسائل العلم ، وأحاديث النبي صلى الله عليه وسلم ، ما هو معلوم . قال الحازمي رحمه الله تعالى : " عن عكرمة ( أن عليا حرق ناسا ارتدوا عن الإسلام ، فبلغ ابن عباس فقال : لم أكن لأحرقهم بالنار إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لا تعذبوا بعذاب الله ، وكنت أقتلهم لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم : من بدل دينه فاقتلوه . قال : فبلغ ذلك عليا ، فقال : ويح ابن عباس ). هذا حديث ثابت صحيح . قالوا : واستعجاب علي من كلام ابن عباس : يدل على أنه لم يكن قد بلغه النسخ ، وحيث بلغه قال به ، ولولا ذلك لأنكر على ابن عباس قوله " . انتهى من " الاعتبار في الناسخ والمنسوخ من الآثار " ( ص 194 ) . السبب الثاني : لعله نسي حديث النهي ولم يتذكره ، والناسي معذور غير آثم . ولهذا نظائر في سير الصحابة أن بعضهم قد ينسى حديثا فيذكِّره الآخر . قال محمد بن علي بن آدم الإثيوبي : " ويحتمل أن يكون قالها – أي قول علي ( ويح ابن عباس ) - رضًا بما قال ، وأنه حفظ ما نسيه " انتهى من " ذخيرة العقبى في شرح المجتبى " ( 31 / 385 ) . السبب الثالث : لعله كان يتأول أن النهي لمجرد الكراهة وليس للتحريم ، كما اختار ذلك بعض أهل العلم . قال الزرقاني رحمه الله تعالى : " فقال – علي رضي الله عنه - : ( ويح أم ابن عباس ) . وهو محتمل أنه لم يرض اعتراضه عليه ، ورأى أن النهي للتنزيه ؛ لأن عليا كان يرى جواز التحريق ، وكذا خالد بن الوليد وغيرهما تشديدا على الكفار ، ومبالغة في النكاية والنكال " . انتهى من " شرح الموطأ " ( 3 / 193 - 194 ) . وعلى مثل هذه الأسباب يحمل حرق أبي بكر رضي الله عنه لأصحاب فاحشة اللواط ، إن ثبتت صحتها . قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى : " وليعلم أنه ليس أحد من الأئمة - المقبولين عند الأمة قبولا عاما- يتعمد مخالفة رسول الله صلى الله عليه وسلم في شيء من سنته ، دقيق ولا جليل . فإنهم متفقون اتفاقا يقينيا على وجوب اتباع الرسول صلى الله عليه وسلم ، وعلى أن كل أحد من الناس يؤخذ من قوله ويترك ، إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم . ولكن إذا وجد لواحد منهم قول ، قد جاء حديث صحيح بخلافه ، فلا بد له من عذر في تركه . وجميع الأعذار ثلاثة أصناف : أحدها : عدم اعتقاده أن النبي صلى الله عليه وسلم قاله . والثاني : عدم اعتقاده إرادة تلك المسألة بذلك القول . والثالث: اعتقاده أن ذلك الحكم منسوخ . وهذه الأصناف الثلاثة تتفرع إلى أسباب متعددة ... " انتهى من " رفع الملام عن الأئمة الأعلام " ( ص 8 – 9 ) .
فالحاصل : المقطوع به أن الصحابة رضوان الله عليهم لم يتعمدوا مخالفة النهي عن العقوبة بالتحريق ، وما روي عن بعضهم إما أنه غير صحيح ، أو أنه صحيح لكنهم معذورون فيه وفعلوه عن اجتهاد وهم من أهله .
والمجتهد إذا بذل كل وسعه للقضاء والفتوى بالحق وأخطأ فإنه مأجور وليس بآثم .
عَنْ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ : ( إِذَا حَكَمَ الْحَاكِمُ فَاجْتَهَدَ ثُمَّ أَصَابَ فَلَهُ أَجْرَانِ ، وَإِذَا حَكَمَ فَاجْتَهَدَ ثُمَّ أَخْطَأَ فَلَهُ أَجْرٌ ) رواه البخاري ( 7352 ) ، ومسلم ( 1716 ) . وينظر للفائدة : "شرح الكوكب المنير" (4/491-492) . والله أعلم .
فتاوى أخرى من مكتبتنا في الموضوع نفسه