هذا الموقع قيد المراجعة، لا تعتمد عليه في الأحكام النهائية.
السؤال
هل العلم بمسائل الأسماء والصفات من الواجبات المطلوبة من المسلم ؟ أليس من الأولى أن نصرف أوقاتنا في أمور أكثر أهمية ونفعا ؟ أنا أتفهم أن معرفة مثل هذه الجزئيات قد يكون أمراً مهماً بالنسبة للعلماء والمشايخ ، فما شأن العامّة بها ؟! كثير من الإخوة يتناقشون هذه الأيام حول مسألة الموقع الفعلي الحسي لله تعالى . ولو أن المسلم مات دون معرفة المكان الفعلي الحسي لله تعالى هل يُقال : إنه آثم ؟!
الجواب
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
أولا : سبق بيان أهمية العلم بباب أسماء الله وصفاته ، وأن ذلك أشرف العلوم ، وأجلها قدرا ، وهي من أعظم أبواب الدخول على الله جل جلاله ، والتوسل إليه ، والتقرب منه سبحانه وتعالى ؛ وقد قال الله تعالى : وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ الأعراف /180 . وفي صحيح البخاري (7392) ، ومسلم (2677) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: إِنَّ لِلَّهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْمًا ، مِائَةً إِلَّا وَاحِدًا ، مَنْ أَحْصَاهَا دَخَلَ الجَنَّةَ . وينظر جواب السؤال رقم : (4043) ، ورقم : (195996) .
ثانيا : وأما ما ذكرته من نقاش الإخوة في مسائل العلو ونحوه ، فليعلم أن الناس في هذا الباب ونحوه : طرفان ، ووسط . أما الطرف الأول : فطرف من يتكلف التنقير عن دقائق هذه الأبواب ، ثم لا يقف عند هذا الحد ، حتى يظن أن نشر مثل هذه التدقيقات على العامة : هو من أصول الاعتقاد ، ومن واجبات الدين ، ومهمات الدعوة . وأما الطرف الثاني : فطرف من يزهد في هذا الباب كله ، ويميل عنه كل الميل ، أو لا يعتني بتقرير وجه الحق فيه ، ورد البدعة والخطأ الذي شاع في الناس ، ويرى السكوت عن ذلك ، والاشتغال عنه ، إما بأمور علمية أخرى ، أو عملية ، أو سياسية ، أو نحو ذلك من توجهات الناس ، وميولهم ، يرى أن ذلك كله أوجب ، أو هو الواجب ، دون تعليم الناس أمور اعتقادهم ، وفتح باب المعرفة في أسماء الله وصفاته . وأما الوسط : فيعمل على تقرير الباب ، من حيث الأصل ، ثم يتفاوت الناس بعد ذلك ، بحسب هممهم ، ومقامهم من العلم والإيمان ، وما أعطوا من العلم والعقل ، والآلة التي تؤهله للفهم عن الله ورسوله في مثل هذا الباب ، وإدراك ما يتحدث الناس فيه ، ويتنازعون حوله . يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله : " فَالْوَاجِبُ عَلَى الْمُسْلِمِ أَنْ يَلْزَمَ سُنَّةَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَسُنَّةَ خُلَفَائِهِ الرَّاشِدِينَ وَالسَّابِقِينَ الْأَوَّلِينَ مَنَّ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَاَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانِ. وَمَا تَنَازَعَتْ فِيهِ الْأُمَّةُ ، وَتَفَرَّقَتْ فِيهِ : إنْ أَمْكَنَهُ أَنْ يَفْصِلَ النِّزَاعَ بِالْعِلْمِ وَالْعَدْلِ ؛ وَإِلَّا اسْتَمْسَكَ بِالْجُمَلِ الثَّابِتَةِ بِالنَّصِّ وَالْإِجْمَاعِ ، وَأَعْرَضَ عَنْ الَّذِينَ فَرَّقُوا دَيْنَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا ، فَإِنَّ مَوَاضِعَ التَّفَرُّقِ وَالِاخْتِلَافِ عَامَّتُهَا تَصْدُرُ عَنْ اتِّبَاعِ الظَّنِّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ ، وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمْ الْهُدَى ... وَالْوَاجِبُ أَمْرُ الْعَامَّةِ بِالْجُمَلِ الثَّابِتَةِ بِالنَّصِّ وَالْإِجْمَاعِ ، وَمَنْعُهُمْ مِنْ الْخَوْضِ فِي التَّفْصِيلِ الَّذِي يُوقِعُ بَيْنَهُمْ الْفُرْقَةَ وَالِاخْتِلَافَ ؛ فَإِنَّ الْفُرْقَةَ وَالِاخْتِلَافَ مِنْ أَعْظَمِ مَا نَهَى اللَّهُ عَنْهُ وَرَسُولُهُ " انتهى من "مجموع الفتاوى" (12/237) . ثالثا : المسائل التي لم يبلغ العبد فيها علمها مفصلا ، أو لم تمكنه آلته من النظر فيها : لا يحل له أن يتكلم فيها بغير علم ، كما لا يحل له أن يعرض عما بلغه تفصيل علمه من كتاب الله وسنة رسوله ، صلى الله عليه وسلم ، كما لا يحل له أن يسكت عن بيان الحق فيما تنازع الناس فيه ، وبلغه علمه من الخبر الصادق . يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله : " لَا رَيْبَ أَنَّ مَنْ لَقِيَ اللَّهَ بِالْإِيمَانٍ بِجَمِيعِ مَا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ مُجْمَلًا ، مُقِرًّا بِمَا بَلَّغَهُ مِنْ تَفْصِيلِ الْجُمْلَةِ ، غَيْرَ جَاحِدٍ لِشَيْءٍ مِنْ تَفَاصِيلِهَا : أَنَّهُ يَكُونُ بِذَلِكَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ؛ إذْ الْإِيمَانُ بِكُلِّ فَرْدٍ مِنْ تَفْصِيلِ مَا أَخْبَرَ بِهِ الرَّسُولُ وَأَمَرَ بِهِ غَيْرَ مَقْدُورٍ لِلْعِبَادِ ، إذْ لَا يُوجَدُ أَحَدٌ إلَّا وَقَدْ خَفِيَ عَلَيْهِ بَعْضُ مَا قَالَهُ الرَّسُولُ . وَلِهَذَا يَسَعُ الْإِنْسَانَ فِي مَقَالَاتٍ كَثِيرَةٍ ألَا يُقِرُّ فِيهَا بِأَحَدِ النَّقِيضَيْنِ ، لَا يَنْفِيهَا وَلَا يُثْبِتُهَا ، إذَا لَمْ يَبْلُغْهُ أَنَّ الرَّسُولَ نَفَاهَا أَوْ أَثْبَتَهَا . وَيَسَعُ الْإِنْسَانَ السُّكُوتُ عَنْ النَّقِيضَيْنِ فِي أَقْوَالٍ كَثِيرَةٍ ، إذَا لَمْ يَقُمْ دَلِيلٌ شَرْعِيٌّ بِوُجُوبِ قَوْلِ أَحَدِهِمَا . أَمَّا إذَا كَانَ أَحَدُ الْقَوْلَيْنِ هُوَ الَّذِي قَالَهُ الرَّسُولُ دُونَ الْآخَرِ ، فَهُنَا يَكُونُ السُّكُوتُ عَنْ ذَلِكَ وَكِتْمَانُهُ : مِنْ بَابِ كِتْمَانِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ ، وَمِنْ بَابِ كِتْمَانِ شَهَادَةِ الْعَبْدِ مِنْ اللَّهِ ، وَفِي كِتْمَانِ الْعِلْمِ النَّبَوِيِّ مِنْ الذَّمِّ وَاللَّعْنَةِ لِكَاتِمِهِ مَا يَضِيقُ عَنْهُ هَذَا الْمَوْضِعَ . وَكَذَلِكَ إذَا كَانَ أَحَدُ الْقَوْلَيْنِ مُتَضَمِّنًا لِنَقِيضِ مَا أَخْبَرَ بِهِ الرَّسُولُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَالْآخَرُ لَا يَتَضَمَّنُ مُنَاقَضَةَ الرَّسُولِ ، لَمْ يَجُزْ السُّكُوتُ عَنْهُمَا جَمِيعًا ، بَلْ يَجِبُ نَفْيُ الْقَوْلِ الْمُتَضَمِّنِ لِمُنَاقَضَةِ الرَّسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَلِهَذَا أَنْكَرَ الْأَئِمَّةُ عَلَى الْوَاقِفَةِ فِي مَوَاضِعَ كَثِيرَةٍ حِينَ تَنَازَعَ النَّاسُ ، فَقَالَ قَوْمٌ بِمُوجَبِ السُّنَّةِ ، وَقَالَ قَوْمٌ بِخِلَافِ السُّنَّةِ ، وَتَوَقَّفَ قَوْمٌ فَأَنْكَرُوا عَلَى الْوَاقِفَةِ ، كَالْوَاقِفَةِ الَّذِينَ قَالُوا لَا نَقُولُ الْقُرْآنُ مَخْلُوقٌ وَلَا نَقُولُ إنَّهُ غَيْرُ مَخْلُوقٍ . هَذَا مَعَ أَنَّ كَثِيرًا مِنْ الْوَاقِفَةِ يَكُونُ فِي الْبَاطِنِ مُضْمِرًا لِلْقَوْلِ الْمُخَالِفِ لِلسُّنَّةِ ، وَلَكِنْ يُظْهِرُ الْوَقْفَ نِفَاقًا وَمُصَانَعَةً ؛ فَمِثْلُ هَذَا مَوْجُودٌ !! " . انتهى من "التسعينية" (1/210-212) . رابعا : لا يلزم أن يكون كل من جهل شيئا في هذا الباب ، أو أخطأ فيه : أن يكون آثما ؛ كما لا يلزم من كون الشخص معذورا ، أو مأجورا ، أن يكون غيره كذلك ؛ بل هذا يتفاوت بحسب حال الشخص ، وما بلغه من نور النبوة ، وهدي الرسالة . يقول شيخ الإسلام رحمه الله : " الْمَسَائِلَ الْخَبَرِيَّةَ الْعِلْمِيَّةَ قَدْ تَكُونُ وَاجِبَةَ الِاعْتِقَادِ ، وَقَدْ تَجِبُ فِي حَالٍ دُونَ حَالٍ ، وَعَلَى قَوْمٍ دُونَ قَوْمٍ؛ وَقَدْ تَكُونُ مُسْتَحَبَّةً غَيْرَ وَاجِبَةٍ ، وَقَدْ تُسْتَحَبُّ لِطَائِفَةِ أَوْ فِي حَالٍ كَالْأَعْمَالِ سَوَاءً ، وَقَدْ تَكُونُ مَعْرِفَتُهَا مُضِرَّةً لِبَعْضِ النَّاسِ ، فَلَا يَجُوزُ تَعْرِيفُهُ بِهَا كَمَا قَالَ عَلِيٌّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: " حَدِّثُوا النَّاسَ بِمَا يَعْرِفُونَ وَدَعُوا مَا يُنْكِرُونَ؛ أَتُحِبُّونَ أَنْ يُكَذَّبَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ " وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ " مَا مِنْ رَجُلٍ يُحَدِّثُ قَوْمًا حَدِيثًا لَا تَبْلُغُهُ عُقُولُهُمْ إلَّا كَانَ فِتْنَةً لِبَعْضِهِمْ ". وَكَذَلِكَ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - لِمَنْ سَأَلَهُ عَنْ قَوْلِهِ تَعَالَى:
خامسا : وأما أن العبد سيسأل عن ذلك ، أو لا يسأل ، فقد تبين شيء من جواب ذلك من مسألة التأثيم وعدمه . قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله ، في جواب له عما يجب على المكلف اعتقاده : " أَمَّا قَوْلُهُ: مَا الَّذِي يَجِبُ عَلَى الْمُكَلَّفِ اعْتِقَادُهُ فَهَذَا فِيهِ إجْمَالٌ وَتَفْصِيلٌ. أَمَّا الْإِجْمَالُ فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَى الْمُكَلَّفِ أَنْ يُؤْمِنَ بِاَللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَيُقِرَّ بِجَمِيعِ مَا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ: مِنْ أَمْرِ الْإِيمَانِ بِاَللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، وَمَا أَمَرَ بِهِ الرَّسُولُ وَنَهَى ، بِحَيْثُ يُقِرُّ بِجَمِيعِ مَا أَخْبَرَ بِهِ ، وَمَا أَمَرَ بِهِ ؛ فَلَا بُدَّ مِنْ تَصْدِيقِهِ فِيمَا أَخْبَرَ؛ وَالِانْقِيَادِ لَهُ فِيمَا أَمَرَ. وَأَمَّا التَّفْصِيلُ : فَعَلَى كُلِّ مُكَلَّفٍ أَنْ يُقِرَّ بِمَا ثَبَتَ عِنْدَهُ ؛ مِنْ أَنَّ الرَّسُولَ أَخْبَرَ بِهِ ، وَأَمَرَ بِهِ . وَأَمَّا مَا أَخْبَرَ بِهِ الرَّسُولُ وَلَمْ يَبْلُغْهُ أَنَّهُ أَخْبَرَ بِهِ ؛ وَلَمْ يُمْكِنْهُ الْعِلْمُ بِذَلِكَ ؛ فَهُوَ لَا يُعَاقَبُ عَلَى تَرْكِ الْإِقْرَارِ بِهِ مُفَصَّلًا ، وَهُوَ دَاخِلٌ فِي إقْرَارِهِ بِالْمُجْمَلِ الْعَامِّ . ثُمَّ إنْ قَالَ خِلَافَ ذَلِكَ مُتَأَوِّلًا : كَانَ مُخْطِئًا يُغْفَرُ لَهُ خَطَؤُهُ ؛ إذَا لَمْ يَحْصُلْ مِنْهُ تَفْرِيطٌ وَلَا عُدْوَانٌ ؛ وَلِهَذَا يَجِبُ عَلَى الْعُلَمَاءِ مِنْ الِاعْتِقَادِ مَا لَا يَجِبُ عَلَى آحَادِ الْعَامَّةِ، وَيَجِبُ عَلَى مَنْ نَشَأَ بِدَارِ عِلْمٍ وَإِيمَانٍ مِنْ ذَلِكَ ، مَا لَا يَجِبُ عَلَى مَنْ نَشَأَ بِدَارِ جَهْلٍ ... وَأَمَّا قَوْلُهُ: مَا الَّذِي يَجِبُ عَلَيْهِ عِلْمُهُ ؟ فَهَذَا أَيْضًا يَتَنَوَّعُ ؛ فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَى كُلِّ مُكَلَّفٍ أَنْ يَعْلَمَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ ، فَيَعْلَمَ مَا أمرَ بِالْإِيمَانِ بِهِ ، وَمَا أمرَ بِعِلْمِهِ ؛ بِحَيْثُ لَوْ كَانَ لَهُ مَا تَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ لَوَجَبَ عَلَيْهِ تَعَلُّمُ عِلْمِ الزَّكَاةِ ، وَلَوْ كَانَ لَهُ مَا يَحُجُّ بِهِ لَوَجَبَ عَلَيْهِ تَعَلُّمُ عِلْمِ الْحَجِّ ، وَكَذَلِكَ أَمْثَالُ ذَلِكَ.
وَيَجِبُ عَلَى عُمُومِ الْأُمَّةِ عِلْمُ جَمِيعِ مَا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ ، بِحَيْثُ لَا يَضِيعُ مِنْ الْعِلْمِ الَّذِي بَلَّغَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُمَّتَهُ شَيْءٌ ، وَهُوَ مَا دَلَّ عَلَيْهِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ ؛ لَكِنَّ الْقَدْرَ الزَّائِدَ عَلَى مَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ الْمُعَيَّنُ : فَرْضٌ عَلَى الْكِفَايَةِ ؛ إذَا قَامَتْ بِهِ طَائِفَةٌ ، سَقَطَ عَنْ الْبَاقِينَ ..." انتهى من "مجموع الفتاوى" (3/327-329) .
والله أعلم .
فتاوى أخرى من مكتبتنا في الموضوع نفسه