هذا الموقع قيد المراجعة، لا تعتمد عليه في الأحكام النهائية.
السؤال
ما رأي علماء الحنفية الكبار في شيخ الإسلام ابن تيمية ؟
الجواب
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
علماء الحنفية على قسمين : القسم الأول : من كان شديد التعصب للماتريدية أو للصوفية ، فوقف موقفا معاديا لشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى ، فهؤلاء كلامهم في شيخ الإسلام ابن تيمية لا قيمة له عند أهل الفقه ، فقد جرت بين أهل العلم قاعدة : أن أهل العلم لا يقبل قول بعضهم في بعض إلا ببيّنة . كما قال ابن عبد البر رحمه الله تعالى : " والصحيح في هذا الباب أن من صحت عدالته ، وثبتت في العلم إمامته ، وبانت ثقته ، وبالعلم عنايته لم يُلتفت فيه إلى قول أحد ، إلا أن يأتي في جرحته ببينة عادلة يصح بها جرحته ، على طريق الشهادات ، والعمل فيها ، من المشاهدة والمعاينة لذلك بما يوجب تصديقه فيما قاله ، لبراءته من الغل والحسد والعداوة والمنافسة ، وسلامته من ذلك كله ، فذلك كله يوجب قبول قوله من جهة الفقه والنظر " . انتهى من " جامع بيان العلم وفضله " ( 2 / 1093 – 1094 ) . وهؤلاء في طعنهم في شيخ الإسلام ابن تيمية ليس لهم بينة ولا حجة أصلا ، إلا أنه خالفهم في آرائهم ، والواجب عند الاختلاف والتنازع في الآراء : أن يعرض قول المختلفين على نصوص الشرع فمن كان الحق معه فهو أولى به ، كما في قوله تعالى : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا ) النساء / 59 . قال القرطبي رحمه الله تعالى : " قوله تعالى: ( فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ ) أي : تجادلتم واختلفتم ... ( فِي شَيْءٍ ) أي : من أمر دينكم . ( فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ ) أي : ردوا ذلك الحكم إلى كتاب الله ، أو إلى رسوله ، بالسؤال في حياته ، أو بالنظر في سنته بعد وفاته صلى الله عليه وسلم ؛ هذا قول مجاهد والأعمش وقتادة ، وهو الصحيح . ومن لم ير هذا اختل إيمانه ؛ لقوله تعالى : ( إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ) " انتهى من " الجامع لأحكام القرآن " ( 6 / 433 ) .
القسم الثاني : أهل العلم والإنصاف ؛ فهؤلاء ، رغم اختلافهم مع شيخ الإسلام ابن تيمية ، إلا أنهم كانوا معترفين بفضله وعلمه . ومما وقفنا عليه من ثنائهم واعترافهم بعلمه نذكر الآتي : 1- شمس الدين بن الحريري الحنفي رحمه الله تعالى (توفي سنة 728ه ، وهي السنة التي توفي فيها شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله) : قال ابن كثير رحمه الله تعالى : " قاضي القضاة شمس الدين بن الحريري أبو عبد الله محمد بن صفي الدين أبي عمرو عثمان بن أبي الحسن بن عبد الوهاب الأنصاري الحنفي ، ولد سنة ثلاث وخمسين ، وسمع الحديث واشتغل ، وقرأ " الهداية " ، وكان فقيها جيدا ، ودَرَّس بأماكن كثيرة بدمشق ، ثم ولي القضاء بها ، ثم خطب إلى قضاء الديار المصرية ، فباشر بها مدة طويلة ، محفوظ العرض ، لا يقبل من أحد هدية ، ولا تأخذه في الحكم لومة لائم . وكان يقول : إن لم يكن ابن تيمية شيخ الإسلام فمن ؟ وقال لبعض أصحابه: تحب الشيخ تقي الدين ؟ قال : نعم . قال : والله لقد أحببت شيئا مليحا !! توفي رحمه الله يوم السبت رابع جمادى الآخرة ودفن بالقرافة " . انتهى من " البداية والنهاية ؛ طبعة دار هجر" ( 18 / 306 – 307 ) . 2- بدر الدين العيني رحمه الله تعالى ، وهو من أشهر علماء الحنفية واشتهر بكتابيه " البناية شرح الهداية " و" عمدة القاري شرح صحيح البخاري " : وثناء العيني رحمه الله تعالى على شيخ الإسلام ابن تيمية يمكن أن نقسمه على ثلاثة أوجه : الوجه الأول : بدر الدين العيني في كتابه " عقد الجمان في تاريخ أهل الزمان " كان إذا جاء ذكر ابن تيمية يصفه بأوصاف تدل على اعترافه بعلمه وفضله ، ومن ذلك : قال رحمه الله تعالى في حوادث سنة ( 667 هـ ) : " ومنها : أن أهل حران خرجوا منها وقدموا الشام ، وكان فيهم الشيخ الإمام العلامة تقي الدين ابن تيمية صحبة أبيه وعمره ست سنين ، وأخواه زين الدين عبد الرحمن ، وشرف الدين عبد الله وهما أصغر منه " انتهى من " عقد الجمان : عصر سلاطين المماليك" (2 / 51). وقال العيني رحمه الله تعالى في حوادث ( 683 هـ ) : " ومنها : أن الشيخ الإمام العلامة تقي الدين أبا العباس أحمد بن تيمية دَرَّس بدار الحديث السكرية التي بالقصاعين ، وذلك في يوم الاثنين ثامن المحرم من هذه السنة ، وحضر عنده قاضي القضاة بهاء الدين بن الزكي الشافعي ، والشيخ تاج الدين الفزاري شيخ الشافعية ، والشيخ زين الدين بن المرحل ، وزين الدين بن المنجى الحنبلي ، وكان درسا هائلا ، وجلس الشيخ تقى الدين أيضا يوم الجمعة عاشر صفر في الجامع الأموي بعد الصلاة على منبر هيء له لتفسير القرآن ، فابتدأ من أوله ، فكان يجتمع عنده خلق كثير والجم الغفير ، واستمر في ذلك مدة سنين متطاولة على هذا المنوال " . انتهى من " عقد الجمان : عصر سلاطين المماليك " ( 2 / 330 - 331 ) . وقال رحمه الله تعالى عمن توفي في سنة ( 694 هـ ) : " الشيخ الإمام العلامة الخطيب المدرس المفتي القاضي شرف الدين أحمد ابن الشيخ جمال الدين أحمد بن نعمة بن أحمد بن جعفر بن حسين بن حماد المقدسي الشافعي . ولد سنة ثنتين وعشرين وستمائة ، وتوفى يوم الأحد السابع عشر من رمضان منها ، ودفن بمقابر باب كيسان عند والده وأخيه ، سمع الكثير ، وكتب حسنا ، وصنف فأجاد وأفاد ، وكان مدرس الغزالية ودار الحديث النورية مع الخطابة ، ودرس في وقت بالشامية البرانية ، وأذن لجماعة من الفضلاء في الإفتاء منهم الشيخ الإمام أبو العباس ابن تيمية ، وكان يفتخر بذلك ويقول: أنا أذنت لابن تيمية في الإفتاء " . انتهى من "عقد الجمان : عصر سلاطين المماليك" (3 / 185) . وقال العيني رحمه الله تعالى في حوادث (699 هـ) : " واجتمع أعيان البلد والشيخ تقي الدين بن تيمية ، واتفقوا على المسير إليه – أي إلى قائد المغول قازان لما قدم بجيشه الشام - لتلقيه وأخذ الأمان منه لأهل دمشق ، فتوجهوا يوم الاثنين الثالث من ربيع الآخر ، فاجتمعوا به عند النبك ، وكلمه الشيخ ابن تيمية كلاماً قوياً فيه مصلحة عظيمة عاد نفعها على المسلمين " . انتهى من " عقد الجمان : عصر سلاطين المماليك " ( 4 / 29 – 30 ) . الوجه الثاني : مدحه لشيخ الإسلام ابن تيمية ، ومن ذلك أن ابن ناصر الدين الدمشقي رحمه الله تعالى ألف كتابا في الرد على من طعن في شيخ الإسلام ابن تيمية وسمى كتابه :" الرد الوافر على من زعم : بأن من سمّى ابن تيمية " شيخ الإسلام " كافر " . وقد أثنى الشيخ بدر الدين العيني رحمه الله تعالى على هذا الكتاب ومما قاله : " ومن الشائع المستفيض أن الشيخ الإمام العالم العلامة تقي الدين ابن تيمية من شُمّ عرانين الأفاضل ، ومن جم براهين الأماثل ... وهو الذاب عن الدين طعن الزنادقة والملحدين ، والناقد للمرويات عن النبي سيد المرسلين ، وللمأثورات من الصحابة والتابعين ... وقد سارت تصانيفه في الآفاق ، وليس فيها شيء مما يدل على الزيغ والشقاق ، ولم يكن بحثه فيما صدر عنه في مسألة الزيارة والطلاق : إلا عن اجتهاد سائغ بالاتفاق ، والمجتهد في الحالتين مأجور مثاب ، وليس فيه شيء مما يلام أو يعاب ، ولكن حملهم على ذلك حسدهم الظاهر ، وكيدهم الباهر ... وهو الإمام الفاضل البارع التقي النقي الوارع الفارس في علمي الحديث والتفسير ، والفقه والأصولين بالتقرير والتحرير ، والسيف الصارم على المبتدعين ، والحبر القائم بأمور الدين ، والأمّار بالمعروف والنهّاء عن المنكر ، ذو همة وشجاعة وإقدام فيما يروع ويزجر ، كثير الذكر والصوم والصلاة والعبادة ... " انتهى من " الرد الوافر " ( ص 261 – 262 ) . الوجه الثالث : اعتنى بدر الدين العيني بالنقل عن ابن تيمية في كتابيه " البناية شرح الهداية " وكذا " عمدة القاري شرح صحيح البخاري " وهذا يدل على اعترافه بالمكانة العلمية لشيخ الإسلام ابن تيمية . 3- الملا علي القاري رحمه الله تعالى : دافع الملا علي القاري عن شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم ، ورد التهم الموجهة إليهما ومما جاء في دفاعه ذلك قوله رحمه الله تعالى : " ومن طالع شرح منازل السائرين – أي مدراج السالكين لابن القيم - ، تبين له أنهما – أي ابن تيمية وابن القيم - كانا من أكابر أهل السنة والجماعة ، ومن أولياء هذه الأمة ... " . انتهى من" مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح ؛ طبعة دار الفكر" ( 8 / 148) ، و " جمع الوسائل في شرح الشمائل " ( 1 / 168 ) . 4- المرتضى الزبيدي الحنفي رحمه الله تعالى صاحب " تاج العروس من جواهر القاموس " وكتاب " عقود الجواهر المنيفة في أدلة مذهب الإمام أبى حنيفة " : كان ينقل رحمه الله تعالى في كتبه عن شيخ الإسلام ابن تيمية ، ووصفه بالعلامة وبشيخ الإسلام في مواضع من كتبه ؛ ومن ذلك قوله : " والعلامة أبو العباس أحمد بن عبد الحليم الحنبلي المعروف بابن تيمية وذووه ، مُحَدِّثون مشهورون " انتهى من " تاج العروس " ( 31 / 351 ) . 4- العلامة ابن عابدين رحمه الله تعالى . ففي حاشيته الشهيرة " رد المحتار على الدر المختار " ذكر ابن تيمية رحمه الله تعالى في عدة مواضع واصفا إياه بالحافظ ، وفي أحدها بشيخ الإسلام حيث قال : " ورأيت في كتاب الصارم المسلول لشيخ الإسلام ابن تيمية الحنبلي ما نصه : ... " انتهى من " رد المحتار على الدر المختار " ؛ طبعة دار عالم الكتب ( 6 / 345 ) . ثم نقل عنه قولا نسبه للحنفية ، فعلق عليه ابن عابدين رحمه الله تعالى بقوله : " لم أر من صرح به عندنا ، لكنه نقله عن مذهبنا ، وهو – أي ابن تيمية - ثبت ؛ فيقبل " . انتهى من " رد المحتار على الدر المختار " ( 6 / 346 ) . وهذا التصرف من العلامة ابن عابدين غاية في الدلالة على اعترافه بعلم وفضل شيخ الإسلام ابن تيمية ؛ حيث اعتمد عليه في تقرير رأي الحنفية في المسألة ، ووصفه بأنه : ثبت . هذا ما وقفنا عليه في هذا المقام ، ومن فتّش أكثر قد يجد أكثر .
والله أعلم .
فتاوى أخرى من مكتبتنا في الموضوع نفسه