هذا الموقع قيد المراجعة، لا تعتمد عليه في الأحكام النهائية.
السؤال
هل يوجد قرين للجان من الشياطين يوسوس لهم ، بما أنهم من نفس الجنس ؟ وكيف أن منهم من آمن بالله ، وأبوهم إبليس اللعين مازال حيا ؟ هل أنهم يتعوذون منه كسائر المسلمين ، ويقرؤون سورة البقرة في منازلهم ؟
الجواب
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
أولا : الجن خلق من خلق الله تعالى ، وهم عباد مكلفون بالأوامر والنواهي ، كالبشر ، فمنهم المؤمن والكافر والفاسق ، ومحسنهم يدخل الجنة ، ومسيئهم يستحق العذاب ، قال تعالى : (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ) الذريات/56 . وقال تعالى عن الجن : ( وَأَنَّا مِنَّا الصَّالِحُونَ وَمِنَّا دُونَ ذَلِكَ كُنَّا طَرَائِقَ قِدَدًا ) الجن/11 . وعالم الجن من عالم الغيب ، لا نعلم عنه إلا ما أعلمنا الله تعالى ، في كتابه أو على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم . فلا نتكلم عنهم بشيء إلا بما ورد في النصوص الشرعية ، قال تعالى : ( وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا ) الإسراء/36 . انظر إجابة السؤال رقم : (20666). ثانيا : الذي وردت به النصوص : أن الله تعالى جعل للإنس قرناء من الجن ، يوسوسون لهم ويأمرونهم بمعصية الله ويؤزونهم على الشر ، ولم يرد أن للجن قرناء من الجن . قال تعالى : (وَقَيَّضْنَا لَهُمْ قُرَنَاءَ فَزَيَّنُوا لَهُمْ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنَّهُمْ كَانُوا خَاسِرِينَ) فصلت/ 25 " أي: وقضينا لهؤلاء الظالمين الجاحدين للحق قُرَنَاءَ من الشياطين، كما قال تعالى: (أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًّا) أي تزعجهم إلى المعاصي وتحثهم عليها " . "تفسير السعدي" (ص 747). وقال عز وجل : (وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ * وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ * حَتَّى إِذَا جَاءَنَا قَالَ يَا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ) الزخرف/ 36 - 38 " أَيْ: هَذَا الَّذِي تَغَافَلَ عَنِ الْهُدَى نُقَيِّضُ لَهُ مِنَ الشَّيَاطِينِ مَنْ يُضِلُّهُ، وَيَهْدِيهِ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ. فَإِذَا وَافَى اللَّهَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يتبرم بالشيطان الذي وكل به " . "تفسير ابن كثير" (7/ 228). وروى مسلم (2814) عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ، إِلَّا وَقَدْ وُكِّلَ بِهِ قَرِينُهُ مِنَ الْجِنِّ) قَالُوا: وَإِيَّاكَ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: (وَإِيَّايَ، إِلَّا أَنَّ اللهَ أَعَانَنِي عَلَيْهِ فَأَسْلَمَ، فَلَا يَأْمُرُنِي إِلَّا بِخَيْرٍ) ولا يتعدى عمل القرين الوسوسة والإغواء والإضلال ، وبحسب قوة إيمان العبد يضعف كيد القرين . انظر إجابة السؤال رقم : (149459) .
ثالثا : دلت النصوص ، التي سبق بعضها ، على أن الجن : منهم مؤمنون بالله جل جلاله ، ومنهم كافرون به ، شأنهم في ذلك شأن بني آدم . وأما أن إبليس : هل أبو الجن كلهم ؟ فهذا قد اختلف فيه أهل العلم ، كما سبق بيانه في جواب السؤال رقم (102373). قال الشيخ عمر سليمان الأشقر رحمه الله : " ليس لدينا نصوص صريحة تدلنا على أن الشيطان أصل الجن ، أو واحد منهم ؛ وإن كان هذا الأخير أظهر ، لقوله تعالى : ( إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ ) ..." انتهى من كتاب "عالم الجن والشياطين" (18) . وإذا صح أن إبليس ، رأس الكفر ، هو أبو الجن ، مسلمهم ، وكافرهم ؛ فإن هذا ممكن ، فإبليس نفسه مكلف بالإيمان بالله ، وطاعته ، محاسب على ترك ذلك ، وإذا ترك هو بشخصه ذلك كله ، فلا يلزم منه أن تتركه ذريته ، وسواء في ذلك حياته ، أو مماته ، فإنه ليس له سلطان على أتباعه ، أو ذريته ، إلا بالدعوة إلى طريقه ، والإضلال والوسوسة . ومثل هذا من أمر الله تعالى وتمام علمه وحكمته وقدرته ، كما قال عز وجل : (يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ) الروم/ 19 "فَمِنْ ذَلِكَ: إِخْرَاجُ الْمُؤْمِنِ مِنَ الْكَافِرِ، وَالْكَافِرِ مِنَ الْمُؤْمِنِ " . "تفسير ابن كثير" (6/ 308). رابعا : الذي يظهر أن مسلمي الجن يتعوذون بالله من الشيطان الرجيم كمسلمي الإنس ؛ لأنهم مخاطبون بالشريعة ، ويقرؤون القرآن ويؤمنون به ، وقد قال الله تعالى : (فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ) النحل/ 98 وهذا خطاب يدخل تحته كل مكلف . خامسا : اختلف أهل العلم : هل يوسوس الجني للجني كما يوسوس للإنسي ؟ على قولين في ذلك . انظر: "تفسير ابن كثير" (8/540) . القول الأول : أن الشياطين توسوس في صدور الجن ، كما توسوس في صدور الإنس أيضا . قال الإمام أبو جعفر ابن جرير الطبري رحمه الله : " وَقَوْلُهُ: الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ [الناس: 5] يَعْنِي بِذَلِكَ: الشَّيْطَانَ الْوَسْوَاسَ، الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ: جِنِّهِمْ وَإِنْسِهِمْ. فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: فَالْجِنُّ نَاسٌ، فَيُقَالُ: الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ [هود: 119] : قِيلَ: قَدْ سَمَّاهُمُ اللَّهُ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ نَاسًا، كَمَا سَمَّاهُمْ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ رِجَالًا، فَقَالَ: وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ
وهذا القول : قد رده ابن القيم رحمه الله ، واختار المنع ، وأن الوسوسة إنما تكون في صدور الناس ، لا في صدور الجن . قال رحمه الله : " وقولُه تعالى: مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ اخْتَلَفَ الْمُفَسِّرون في هذا الجارِّ والمجرورِ بم يَتَعَلَّقُ ؟ فقالَ الفَرَّاءُ وجماعةٌ: هو بيانٌ للناسِ الْمُوَسْوَسِ في صدورِهم. والمعنى: يُوَسْوِسُ في صدورِ الناسِ الذين هم من الْجِنِّ والإنْسِ، أي: الْمُوَسْوَسُ في صدورِهم قِسمان؛ إنسٌ وجِنٌّ، فالوَسواسُ يُوَسْوِسُ للجِنِّيِّ كما يُوَسْوِسُ للإنسيِّ ... وهذا القولُ ضَعيفٌ جِدًّا لوُجوهٍ: أحدُها: أنه لم يَقُمْ دليلٌ على أنَّ الْجِنِّيَّ يُوَسْوِسُ في صُدورِ الْجِنِّ، ويُدخِلُ فيه ما يُدْخِلُ في الإنسيِّ، ويَجرِي منه مَجراه من الإنسيِّ، فأيُّ دليلٍ يَدُلُّ على هذا حتى يَصِحَّ حَمْلُ الآيةِ عليه. الثاني: أنه فاسدٌ من جِهةِ اللفظِ أيضًا؛ فإنه قالَ: الذي يُوَسْوِسُ في صُدورِ الناسِ، فكيف يُبَيِّنُ الناسَ بالناسِ؛ فإنَّ مَعنى الكلامِ على قولِه يُوَسْوِسُ في صدورِ الناسِ الذين هم ، أو كائنِينَ ، من الجِنَّةِ والناسِ، أَفيَجوزُ أن يُقالَ: في صدورِ الناسِ ، الذين هم من الناسِ وغيرِهم، هذا ما لا يَجوزُ، ولا هو استعمالٌ فصيحٌ. الثالثُ: أن يكونَ قد قَسَّمَ الناسَ إلى قِسمينِ: جِنَّةٍ وناسٍ، وهذا غيرُ صحيحٍ، فإنَّ الشيءَ لا يَكونُ قَسيمَ نفسِه. الرابعُ: أنَّ الْجِنَّةَ لا يُطْلَقُ عليهم اسمُ الناسِ بوجهٍ ، لا أَصْلاً واشْتِقاقًا ولا استعمالاً، ولفْظُهما يَأْبى ذلك؛ فإنَّ الجِنَّ إنما سُمُّوا جِنًّا من الاجتنانِ، وهو الاستتارُ، فهم مُسْتَتِرون عن أَعْيُنِ البَشَرِ ، فُسُمُّوا جِنًّا لذلك، من قولِهم: جَنَّه الليلُ ، وأَجَنَّه : إذا سَتَرَه ... ، وأمَّا الناسُ فبَيْنَه وبينَ الإنسِ مناسَبَةٌ في اللفظِ والمعنى .." ، وطول في بيان ذلك ، ثم قال : " والمقصودُ أنَّ الناسَ اسمٌ لبني آدمَ ، فلا يَدْخُلُ الجنُّ في مُسمَّاهم ، فلا يَصِحُّ أن يكونَ من الْجِنَّةِ والناسِ بيانًا لقولِه: فِي صُدُورِ النَّاسِ. وهذا واضحٌ لا خَفَاءَ فيه. فإن قيلَ: لا مَحذورَ في ذلك، فقد أُطْلِقَ على الْجِنِّ اسمُ الرِّجالِ، كما في قولِه تعالى: وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِّنَ الْإِنسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِّنَ الْجِنِّ
سادسا : هذا عن الوسوسة الحاصلة بالصدر، أما حصول الإضلال والإغراء من شياطين الجن للجن: فلا يمتنع، ولهذا حكى الله تبرؤ إبليس اللعين من أتباعه من أهل النار ، وهذا يعم إنسهم وجنهم : (وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ) إبراهيم/22
وقد أخرج ابن أبي حاتم في "تفسيره" (4/ 1372) عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: " إِنَّ لِلْجِنِّ شَيَاطِينَ يُضِلُّونَهُمْ، مِثْلَ شَيَاطِينِ الإِنْسِ يُضِلُّونَهُمْ " وإسناده ضعيف .
على أنه يقال بعد ذلك كله : إن التشقيق والتنقير في مثل ذلك ، والمبالغة في البحث عن تفاصيله ، مما لا يترتب عليه كثير عمل ، ولا في علمه منفعة للعبد في دينه ودنياه ، ولا في الجهل به نقص ولا مضرة عليه ؛ وإنما على العبد أن يعرف عدوه من شياطين الإنس والجن ، الذين يسعون في فتنته وإضلاله ، ويحذر من طرقهم ، ويحذر سبلهم ، وليطلب العبد الناصح لنفسه ، ما ينجيه من سبل الغواية والضلال ، وما ينفعه عند رب العالمين .
والله أعلم
فتاوى أخرى من مكتبتنا في الموضوع نفسه