هذا الموقع قيد المراجعة، لا تعتمد عليه في الأحكام النهائية.
السؤال
هل هناك شروط لكي يكون الخلاف معتبرا أو غير معتبر ، حيث إننا نسمع في المسألة الواحدة بعض العلماء يجعل الخلاف فيها معتبراً ، والآخرون يجعلونه شاذاً أو غير معتبر ؟
الجواب
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
تقدير الخلاف ، والحكم عليه بأنه "سائغ" ، "معتبر" ، أو خلاف ذلك ؛ مرجعه إلى النظر إلى دليله ، في أكثر تعريفات الفقهاء والأصوليين ، فما بُني على " حجة " معتبرة من حيث الثبوت ، أو الدلالة ، أو القياس ، أو المصلحة ، أو الإجماع والآثار ، أو العقل والعرف والعادة ، فهو قول معتبر ، والخلاف الذي أحدثه معترف به. جاء في كتاب " الرسالة " للشافعي (1/ 560): " قال : فإني أجد أهل العلم قديماً وحديثاً مختلفين في بعض أمورهم ، فهل يسعهم ذلك ؟ قال : فقلت له : الاختلاف من وجهين : أحدهما : محرم . ولا أقول ذلك في الآخر . قال : فما الاختلاف المحرم ؟ قلت : كل ما أقام الله به الحجة في كتابه ، أو على لسان نبيه ، منصوصاً بيِّناً : لم يحل الاختلاف فيه ، لمن علمه . وما كان من ذلك يحتمل التأويل ، ويُدرك قياساً ، فذهب المتأول أو القايس إلى معنى يحتمله الخبر أو القياس ، وإن خالفه فيه غيره : لم أقل إنه يَضِيق عليه ضِيقَ الخلاف في المنصوص " انتهى. ويقول الإمام العز ابن عبد السلام رحمه الله : " الضابط في هذا : أن مأخذ المخالف ، إن كان في غاية الضعف والبعد من الصواب ، فلا نظر إليه ، ولا التفات عليه ، إذا كان ما اعتمد عليه لا يصح نصه دليلا شرعا ، ولا سيما إذا كان مأخذه مما يُنقض الحكمُ بمثله " انتهى من " قواعد الأحكام في مصالح الأنام " (1/ 253) . ويقول الإمام الشاطبي رحمه الله : " إنما يعد في الخلاف : الأقوال الصادرة عن أدلة معتبرة في الشريعة ، كانت مما يقوى أو يضعف. وأما إذا صدرت عن مجرد خفاء الدليل، أو عدم مصادفته ، فلا . فلذلك قيل : إنه لا يصح أن يعتد بها في الخلاف ، كما لم يعتد السلف الصالح بالخلاف في مسألة ربا الفضل ، والمتعة ، ومحاشي النساء ، وأشباهها من المسائل التي خفيت فيها الأدلة على من خالف فيها " انتهى. ويقول الإمام تاج الدين السبكي رحمه الله – في حديثه عن شرط الخلاف المعتبر -: " أن يقوى مدرك الخلاف . فإن ضعُف ونأى عن مأخذ الشرع : كان معدودا من الهفوات ، والسقطات ، لا من الخلافيات المجتهدات ... وهناك تنبيه على أنه لا نظر إلى القائلين من المجتهدين ، بل إلى أقوالهم ومداركها قوة وضعفا ، ونعني بالقوة ما يوجب وقوف الذهن عندها ، وتعلق ذي الفطنة بسبيلها ؛ لانتهاض الحجة بها ؛ فإن الحجة لو انتهضت بها لما كنا مخالفين لها . إذَا عرفت هذا : فمن قوي مدركُه اعتُد بخلافه ، وإن كانت مرتبته في الاجتهاد دون مرتبة مخالفه ، ومن ضعف مدركُه لم يُعتدّ بخلافه ، وإن كانت مرتبته أرفع ، وربما قوي مدرك بعضهم في بعض المسائل دون بعض ؛ بل هذا لا يخلو عنه مجتهد . وقوة المدرك وضعفه : مما لا ينتهي إلى الإحاطة به إلا الأفراد ، وقد يظهر الضعف أو القوة بأدنى تأمل ، وقد يحتاج إلى تأمل وفكر ، ولا بد أن يقع هنا خلاف في الاعتداد به ، ناشئا عن المدرك قوي أو ضعيف " انتهى من " الأشباه والنظائر " (1/ 112) . فإذا تبين أن المدار على " المَدرك " قوة وضعفا ، ثبوتا ووهاء ، علمنا أن البحث في هذا الشأن هو من ولاية العلماء والفقهاء ، الذين يميزون مدارك الأحكام ، وموارد الأفهام ، ولهم باع وتخصص في تعاطي أقوال الفقهاء ، والحجاج الفقهي والأصولي ، ولهم في كل مسألة نظر خاص ، فقد يكون الاحتجاج بقول الصحابي في مسألة احتجاجا معتبرا ، في حين أنه احتجاج ضعيف غير معتبر في مسألة أخرى ، بسبب ثبوت الإجماع مثلا ، أو ضعف الرواية ، أو حكاية تراجع ذلك الصحابي ، ونحو ذلك من احتمالات تقليب الأدلة بين العلماء . يقول الإمام الشاطبي رحمه الله : "فإن قيل : فماذا يُعَرِّف من الأقوال ، ما هو كذلك ، مما ليس كذلك ؟ فالجواب : أنه من وظائف المجتهدين ، فهم العارفون بما وافق أو خالف . وأما غيرهم ، فلا تمييز لهم في هذا المقام . ويعضد هذا أن المخالفة للأدلة الشرعية على مراتب : فمن الأقوال ما يكون خلافا لدليل قطعي، من نص متواتر ، أو إجماع قطعي ، في حكم كلي. ومنها ما يكون خلافا لدليل ظني . والأدلة الظنية متفاوتة ، كأخبار الآحاد ، والقياس الجزئية . فأما المخالف للقطعي ؛ فلا إشكال في اطراحه ، ولكن العلماء ربما ذكروه للتنبيه عليه وعلى ما فيه ، لا للاعتداد به . وأما المخالف للظني ؛ ففيه الاجتهاد ، بناء على التوازن بينه وبين ما اعتمده صاحبه من القياس أو غيره " انتهى من " الموافقات " (5/139-140) . ولا أحد يدعي – في مقام التمييز بين الخلاف المعتبر ، وغير المعتبر – أنه يملك خطا أحمر محددا ودقيقا في جميع المسائل ، لا يجوز لأحد أن يخالف فيه ، بل هذه القضية التمييزية نفسها ، يدخلها قدر من الاختلاف والنزاع في التنزيل والتطبيق . ولكن اختلاف العلماء في بعض المسائل : إن كانت من الخلاف السائغ ، أو المردود ؛ لا يلغي الضوابط العامة ، والمناط الكلي الذي ذكروه ، ونقلناه سابقا ، وهكذا دائما وقوع الخلاف في بعض الصور والتطبيقات : لا ينبغي أن يلغي الأصول الكلية ، والفوارق العامة . ولهذا كله يكفيك أن تخرج من جوابنا هذا بخطوط عريضة ، تقرب إليك ضابط المسألة - دون حسم لكل الجزئيات أو الخلافيات التي تتفاوت فيها الأنظار - يمكننا إجمال خلاصتها بالنقاط الآتية: 1. إذا كان القول المخالف مناقضا للنصوص الصريحة القطعية من الكتاب والسنة : فلا عبرة به . 2. إذا وقع على خلاف الإجماع الصحيح المنضبط : فلا عبرة به . 3. إذا كان قولا مهجورا يتقيه العلماء على مدار تاريخ الفقه ، ويضربون به المثل في الضعف ، والإبعاد . 4. إذا كان الخلاف مناقضا لمقاصد الشريعة ، وقواعد المصالح التي جاءت بها ، فأدى إلى عنت شديد ، وخروج بحياة الناس عن اعتدالها إلى العنت ، فالخلاف فيه غير معتبر . ومن ذلك تتبين أيضا أن أكثر اختلاف العلماء في مسائل الشريعة ، إنما هو من الخلاف المعتبر ، كما نص على ذلك الشاطبي رحمه الله حيث قال : " الخلاف الذي لا يعتد به قليل " انتهى من "الموافقات" (1/164) . وذلك من رحمة الله بهذه الأمة ، حيث حفظ عليها أفهامها السائغة للشرع ، ووسع عليهم في طرق التدبر والاستنباط ؛ كي لا تتيه في بيداء النزاع التأويلي ، ولا تقع الأمة ـ بمجموعها ـ في حرج أو عنت ، ولا تنقلب عن منهاجها كأمة وسط أخرجت لهداية الناس . وأقرب علامة يستعين بها غير المختص ، على الفرق بين الخلاف السائغ المعتبر ، والخلاف غير السائغ وغير المعتبر ، هي : أن ينظر ما عليه السواد الأعظم من المسلمين ، فإذا وجد قولا محدثا يخالفهم ، فخلافه ـ في الغالب ـ غير معتبر . وفي مثل ذلك ، عادة ما يقول الإمام ابن جرير الطبري – عن أحد الأقوال -: " هذا قول لا نعلم قائلا له من أهل التأويل ، وكفى خطأ بقوله خروجه عن أقوال أهل العلم ، لو لم يكن على خطئه دلالة سواه . فكيف وظاهر التنزيل ينبئ عن فساده ! " . انتهى من " جامع البيان " (10/55) ويقول الشاطبي رحمه الله : "فإن قيل : فهل لغير المجتهد من المتفقهين في ذلك ضابط يعتمده أم لا ؟ فالجواب : إن له ضابطا تقريبيا ، وهو أن ما كان معدودا في الأقوال غلطا وزللا : قليل جدا في الشريعة ، وغالب الأمر أن أصحابها منفردون بها ، قلما يساعدهم عليها مجتهد آخر . فإذا انفرد صاحب قول عن عامة الأمة ، فليكن اعتقادك أن الحق في المسألة مع السواد الأعظم من المجتهدين ، لا من المقلدين" انتهى من " الموافقات " (5/139-140) . وللتوسع في أمثلة فقهية على نوعي الخلاف ، يرجى النظر في الفتوى رقم : (70491) . والله أعلم .
فتاوى أخرى من مكتبتنا في الموضوع نفسه