هذا الموقع قيد المراجعة، لا تعتمد عليه في الأحكام النهائية.
السؤال
هل النهي عن البول في الجحر يشمل البول في بالوعة الحمام ؟
الجواب
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
أولاً : يكره للإنسان أن يبول في جُحر أو ثقب . قال ابن قدامة : " فيُكْرَهُ أَنْ يَبُولَ فِي شَقٍّ أَوْ ثَقْبٍ " انتهى من "المغني" (1/225) . لما روى قَتَادَةُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَرْجِسَ: " أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى أَنْ يُبَالَ فِي الْجُحْرِ" . رواه أبو داود (29) والنسائي (34) ، وصححه ابن خزيمة ، وابن السكن ، والنووي في " الخلاصة " (1/156) ، وابن كثير في " إرشاد الفقيه " (1/56) ، وابن الملقن في " البدر المنير " (2/321) . وتكلم فيه بعض المحدثين [ كالشيخ الألباني وغيره ] ؛ لأن قتادة لم يسمع من عبد الله بن سرجس . فقد جاء عن الإمام أَحْمد بن حَنْبَل أنه قال : " مَا أعلم قَتَادَة رَوَى عَن أحد من أَصْحَاب رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم إِلَّا عَن أنس " . قيل لَهُ : فَابْن سرجس ! فَكَأَنَّهُ لم يره سَمَاعا " انتهى من " المراسيل " لابن أبي حاتم الرازي (صـ 29) . قَالَ ابن دقيق العيد : " لَيْسَ فِيمَا قَالَ أَحْمد جزم بالانقطاع ". انتهى من " البدر المنير " (2/323) . ويؤكد ذلك أنه جاء عنه ما يثبت سماعه منه ، ففي " العلل ومعرفة الرجال " لعبد الله (3/86) قال : قلت لأبي : قَتَادَة سمع من عبد الله بن سرجس ؟ . قَالَ : " مَا أشبهه " انتهى . وفي " العلل " أيضاً (3/284) : قيل [ أي للإمام أحمد ] سمع قَتَادَة من عبد الله بن سرجس ، قَالَ : " نعم " انتهى .
قال ابن الملقن : " فَإِنَّهُ قد ثَبت سَماع قَتَادَة من عبد الله بن سرجس ... قَالَ عَلّي بن الْمَدِينِيّ : سمع قَتَادَة من عبد الله بن سرجس . وَعَن أبي حَاتِم الرَّازِيّ أَنه قَالَ : لم يلق قَتَادَة من الصَّحَابَة إِلَّا أنس بن مَالك وَعبد الله بن سرجس . وَقَالَ الْحَاكِم أَبُو عبد الله فِي الْمُسْتَدْرك : " لَعَلَّ مُتَوَهمًا يتَوَهَّم أَن قَتَادَة لم يذكر سَمَاعه من عبد الله بن سرجس وَلَيْسَ هَذَا بمستبعد " انتهى من " البدر المنير " (2/323) .
وقال الشيخ ابن عثيمين : " أقلُّ أحواله أن يكون حسناً ؛ لأنَّ العلماء قَبِلوه ، واحتجُّوا به " انتهى من " الشرح الممتع " (1/120) .
والْجُحْرِ : الثَّقْب ، سواء في جدار أو في الأرض . وقيل: " هُوَ مَا تحْتَفِرهُ الْهَوَامّ وَالسِّبَاع لِأَنْفُسِهَا " انتهى من " حاشية السيوطي على سنن النسائي " (1/30) . أي الحفر التي تكون في الأرض ، والتي تحفرها بعض الحيوانات ، أو بعض هوام ودواب الأرض ، وتدخلها وتكون فيها. وكراهة البول في الجُحر متفق عليها بين الفقهاء ، كما ذكر الإمام النووي في " المجموع " (2/86) .
وفي " الموسوعة الفقهية " (34/17) : " يُكْرَهُ التَّبَوُّل فِي ثَقْبٍ أَوْ سَرَبٍ ، وَهَذَا بِاتِّفَاقِ الْمَذَاهِبِ الأْرْبَعَةِ ... وَلأِنَّهُ رُبَّمَا خَرَجَ عَلَيْهِ مِنَ الْجُحْرِ مَا يَلْسَعُهُ ، أَوْ يَرُدُّ عَلَيْهِ الْبَوْل ، قَال النَّوَوِيُّ : هَذَا مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ ، وَهِيَ كَرَاهَةُ تَنْزِيهٍ ، وَقَال الْبُجَيْرِمِيُّ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ : يَظْهَرُ تَحْرِيمُهُ إِذَا غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّ بِهِ حَيَوَانًا مُحْتَرَمًا يَتَأَذَّى أَوْ يَهْلِكُ بِهِ" انتهى .
ثانياً : في سبب هذا النهي علتان : 1- " أَنَّهُ مَأْوَى الْهَوَامّ الْمُؤْذِيَة ، فَلَا يُؤْمَنُ أَنْ يُصِيبهُ مَضَرَّة مِنْهَا " انتهى من " عون المعبود " (1/51) . قال الشيخ ابن عثيمين : " فيُخشَى أن يكونَ في هذا الجُحر شيء ساكن فتُفْسِد عليه مسكنه ، أو يخرج وأنت على بولك فيؤذيك ، وربما تقوم بسرعة فلا تسلم من رَشاش البول " انتهى من " الشرح الممتع " (1/120) . وربما رأى حيةً أو ثعباناً ففزع ، فكان سبباً في حصول الضرر في بوله وجسده . 2- أنها مساكن الجن ، وقد جاء في رواية أبي داود (29) : قَالُوا لِقَتَادَةَ : مَا يُكْرَهُ مِنْ الْبَوْلِ فِي الْجُحْرِ ؟ قَالَ : كَانَ يُقَالُ : " إِنَّهَا مَسَاكِنُ الْجِنِّ " . قال الحاكم : " ولست أبتُّ القول إنها مسكن الجن ؛ لأن هذا من قول قتادة " انتهى من " المستدرك على الصحيحين " (1/297).
وقد ذكر كثير من المؤرخين أنَّ سيِّدَ الخزرج سعدَ بنَ عبادة رضي الله عنه سافر من المدينة بعد موت رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى "حوران" ، وأقام بها ، فجلس يوماً يبول في ثقب في الأرض ، فما إن فرغ من بوله حتى استلقى ميِّتاً . ولم يعلم أهل المدينة بموته حتى سمعوا قائلاً من الجن في بئر يقول : نحنُ قَتَلْنا سَيِّدَ الخَزْ *** رَجِ سَعْدَ بْنَ عُبَادهْ وَرَمَيْنَاهُ بسَهْمـَيْـ *** ـنِ فلم نُخْطِئ فُؤادَهْ فحفظوا ذلك اليوم فوجدوه اليوم الذي مات فيه . وهذه القصة - وإن كان في سندها كلام عند المحدثين - ، إلا أنها مشهورة عند المؤرخين ، حتى قال ابن عبد البر: " ولم يختلفوا أنه وجد ميتاً في مغتسله ، وقد اخضرَّ جسده " انتهى من " الاستيعاب في معرفة الأصحاب " (2/599) .
ثالثاً : اختلف العلماء في هذا النهي : هل ينطبق على من يتبول مباشرة في البالوعة أم لا ؟. فمنهم من قال : إن النهي يشمله ، وقال ابن مفلح : " وَلَا فرق بَين أَن يكون فَم بالوعة أَو غَيرهَا " انتهى من " النكت والفوائد " (1/ 9) . ومنهم من قال : لا يشمله ، لأنها معدَّة لذلك ، كما قال ابن عابدين في " حاشيته " (3 / 59) : " وَهَذَا فِي غَيْرِ الْمُعَدِّ لِذَلِكَ ، كَبَالُوعَةٍ فِيمَا يَظْهَرُ " انتهى . وقال الدَّميري من الشافعية : " وينبغي تحريم ذلك ؛ للنهي الصريح ، إلا أن يُعَدَّ لذلك ، فلا حظر ولا كراهة " انتهى من " النجم الوهاج في شرح المنهاج " (1/292) . وهذا القول الثاني هو الأرجح ؛ لأن العلة التي من أجلها نهى عن البول في الحجر غير موجودة هنا . والله أعلم .
فتاوى أخرى من مكتبتنا في الموضوع نفسه