هذا الموقع قيد المراجعة، لا تعتمد عليه في الأحكام النهائية.
السؤال
هل صحيح أننا نقف بين يدي الله تعالى عندما نصلي؟ ما الدليل على ذلك ، وما المقصود به؟ لقد تفكرت كثيراً في كيف كان السلف والصالحون يطيلون الصلاة ، وكيف تمكنوا من ذلك ، فهل يستطيع من لا يحفظ كثيراً من القرآن أن يطيل صلاته ؟
الجواب
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
أولا : إذا العبد قام إلى الصلاة قام بين يدي الله عز وجل . ومعنى (بين يديه) أنه يكون أمام ربه ، والله جل جلاله تلقاء وجهه ؛ وليس المراد باليد هنا اليد التي هي صفة الله تعالى . قال الإمام أبو منصور الأزهري ، رحمه الله : " وَيُقَال : بيْن يَديْك كَذَا ، لكلّ شَيْء أمامك. قَالَ الله : (مِّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ) الْأَعْرَاف/ 17 " انتهى من " تهذيب اللغة " (14/169) .
وقال الراغب الأصفهاني رحمه الله : " ويقال: هذا الشيء بين يديك ، أي : متقدما لك ، ويقال : هو بين يديك أي : قريب منك ، وعلى هذا قوله : ( ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ ) الأعراف/ 17 ، (ولَهُ ما بَيْنَ أَيْدِينا وَما خَلْفَنا) مريم/ 64 " انتهى من " المفردات " (156) .
ثانيا :
قال ابن القيم رحمه الله : " للْعَبد بَين يَدي الله موقفان : موقف بَين يَدَيْهِ فِي الصَّلَاة ، وموقف بَين يَدَيْهِ يَوْم لِقَائِه ، فَمن قَامَ بِحَق الْموقف الأول هوّن عَلَيْهِ الْموقف الآخر ، وَمن استهان بِهَذَا الْموقف وَلم يوفّه حقّه شدّد عَلَيْهِ ذَلِك الْموقف " انتهى من " الفوائد " (ص 200) . وروى البخاري (406) ومسلم (547) عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ " أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَأَى بُصَاقًا فِي جِدَارِ الْقِبْلَةِ ، فَحَكَّهُ ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ فَقَالَ : ( إِذَا كَانَ أَحَدُكُمْ يُصَلِّي فَلَا يَبْصُقُ قِبَلَ وَجْهِهِ ، فَإِنَّ اللَّهَ قِبَلَ وَجْهِهِ إِذَا صَلَّى ) " . فهو سبحانه وتعالى مستوٍ على عرشه ، وهو قِبل وجه المصلي حقيقة ، على وجه يليق بجلاله . قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله : " الْعَبْدُ إذَا قَامَ إلَى الصَّلاةِ فَإِنَّهُ يَسْتَقْبِلُ رَبَّهُ وَهُوَ فَوْقَهُ ، فَيَدْعُوهُ مِنْ تِلْقَائِهِ ، لا مِنْ يَمِينِهِ وَلا مِنْ شِمَالِهِ ، وَيَدْعُوهُ مِنْ الْعُلُوِّ لا مِنْ السُّفْلِ " انتهى من " الرسالة العرشية " (ص: 32) . وقال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله : " يمكن الجمع بين ما ثبت من علو الله بذاته ، وكونه قِبَل المصلي من وجوه : الأول : أن النصوص جمعت بينهما ، والنصوص لا تأتي بالمحال . الثاني : أنه لا منافاة بين معنى العلو والمقابلة ، فقد يكون الشيء عاليا وهو مقابل ، لأن المقابلة لا تستلزم المحاذاة ، ألا ترى أن الرجل ينظر إلى الشمس حال بزوغها فيقول : إنها قبل وجهي . مع أنها في السماء، ولا يعد ذلك تناقضا في اللفظ ولا في المعنى، فإذا جاز هذا في حق المخلوق ففي حق الخالق أولى. الثالث: أنه لو فرض أن بين معنى العلو والمقابلة تناقضا وتعارضا في حق المخلوق ، فإن ذلك لا يلزم في حق الخالق، لأن الله تعالى ليس كمثله شيء في جميع صفاته، فلا يقتضي كونه قبل وجه المصلي ، أن يكون في المكان أو الحائط الذي يصلي إليه، لوجوب علوه بذاته، ولأنه لا يحيط به شيء من المخلوقات، بل هو بكل شيء محيط " انتهى "مجموع فتاوى ورسائل العثيمين" (4/ 51) . وانظر جواب السؤال رقم : (40865) .
ثالثا :
كان السلف الصالح يطيلون الصلاة ، ويكثرون منها لأنها كانت قرة أعينهم ، وكان أحدهم لا يكاد يخرج من صلاته إلا وهو يشتاق إليها . قال ابن القيم رحمه الله : " الصلاة قرة عيون المحبين ، وسرور أرواحهم، ولذة قلوبهم، وبهجة نفوسهم، يحملون هَمّ الفراغ منها إذا دخلوا فيها كما يحمل الفارغ البطال همها حتى يقضيها بسرعة ... وبالجملة: فمن كان قرة عينه في الصلاة ، فلا شيء أحب إليه ، ولا أنعم عنده منها، ويودّ أَن لو قطع عمره بها ، غير مشتغل بغيرها ، وإنما يسلي نفسه إذا فارقها ، بأنه سيعود إليها عن قرب، فهو دائماً يثوب إليها ، ولا يقضى منها وطراً . فلا يزنُ العبد إيمانه ومحبته لله بمثل ميزان الصلاة، فإنها الميزان العادل" انتهى من " طريق الهجرتين " (ص 307) .
ويستطيع من لا يحفظ كثيرا من القرآن أن يطيل صلاته ، وذلك بعدة طرق ، منها : 1- أن يقرأ عدة سور من قصار السور التي يحفظها في الركعة الواحدة . 2- أن يكرر ما يقرأه ، فيقرأ سورة قصيرة ، أو عدة آيات ، ويكررها كثرا ، فلا حرج على المصلي أن يكرر ما يقرأه ، أو أن يقرأ أكثر من سورة في الركعة الواحدة ، وكل ذلك قد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه فعله . 3- أن يقرأ من المصحف إذا كان ذلك في صلاة النافلة .
وينبغي أن يُعلم : أن الأفضل في الصلاة أن تكون متناسبة ، فإذا أطال القيام أطال سائر الأركان ، كما كان النبي صلى الله عليه وسلم يفعل ذلك . وليهتم المصلي بالخشوع في الصلاة ، واستحضار القلب فيها ، واستحضار عظمة الله عز وجل ومراقبته ، فأفضل الصلاة صلاة الخاشعين المخبتين ، ولو كانت صلاة خفيفة .
والله تعالى أعلم .
فتاوى أخرى من مكتبتنا في الموضوع نفسه