هذا الموقع قيد المراجعة، لا تعتمد عليه في الأحكام النهائية.
خلاصة الفتوى (من المصدر)
والخلاصة :
أن الكرامات التي تنقل عن ابن تيمية رحمه الله، وعن علماء الأمة من المتقدمين والمتأخرين، ليس فيها ما يستنكر، بل كلها متسقة مع المنهج النبوي، والاعتقاد القرآني، الذي يعرف للعبد ضعفه وعجزه، وللخالق جل وعلا صفاته الكاملة.
والله أعلم.
السؤال
هناك شاب في بنجلادش ، استطاع ذكر بعض كرامات ابن تيمية في معرفة بعض الأمور الغيبية ، والتي استخلصها من بعض الكتب العربية ، ويقول : إن قصص تلك الكرامات لا تختلف عن قصص كتاب "فضائل الأعمال" ـ الكتاب الذي تعول عليه جماعة التبليغ كثيراً ـ ، ويقول : إن تلك أمور شركية وكفرية ، شأنها شأن قصص كتاب جماعة التبليغ ، وساق التالي: - ذكر ابن القيم في "مدارج السالكين" (2/489 ) كيف أن ابن تيمية كان يعلم ما في اللوح المحفوظ: " أخبر الناس والأمراء سنة اثنتين وسبعمائة ، لما تحرك التتار، وقصدوا الشام: أن الدائرة والهزيمة عليهم ، وأن الظفر والنصر للمسلمين، وأقسم على ذلك أكثر من سبعين يمينا، فيقال له: قل: إن شاء الله ، فيقول: إن شاء الله تحقيقا لا تعليقا، وسمعته يقول ذلك قال: فلما أكثروا علي قلت: لا تكثروا، كتب الله تعالى في اللوح المحفوظ : أنهم مهزومون في هذه الكرة وأن النصر لجيوش الإسلام" . فما معنى هذا؟ - وذكر أيضاً ابن القيم في نفس الكتاب ، (ص 490): "وأخبرني غير مرة بأمور باطنة تختص بي ، مما عزمت عليه ، ولم ينطق به لساني، وأخبرني ببعض حوادث كبار تجري في المستقبل ، ولم يعين أوقاتها، وقد رأيت بعضها، وأنا أنتظر بقيتها، وما شاهده كبار أصحابه من ذلك أضعاف أضعاف ما شاهدته . والله أعلم" فما معنى هذا؟ وكيف علم الشيخ أمور الغيب ؟ - وذكر صاحب كتاب "الأعلام العلية في مناقب شيخ الإسلام ابن تيمية" في الصفحة الـ 53-54 من النسخة المطبوعة عام 1976 ما نصه: " أنه جرى بيني وبين بعض الفضلاء منازعة في عدة مسائل ، وطال كلامنا فيها، وجعلنا نقطع الكلام في كل مسألة، بأن نرجع إلى الشيخ وما يرجحه من القول فيها ، ثم إن الشيخ رضي الله عنه حضر، فلما هممنا بسؤاله عن ذلك سبقنا هو، وشرع يذكر لنا مسألة مسألة، كما كنا فيه، وجعل يذكر غالب ما أوردناه في كل مسألة ، ويذكر أقوال العلماء، ثم يرجح منها ما يرجحه الدليل، حتى أتى على آخر ما أردنا أن نسأله عنه. وبين لنا ما قصدنا أن نستعلمه منه ، فبقيت أنا وصاحبي ومن حضرنا أولا مبهوتين متعجبين مما كاشفنا به، وأظهره الله عليه، مما كان في خواطرنا" .
الجواب
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
لم ينكر أحد من أهل السنة والجماعة أن الاطلاع على بعض الغيب ، والإخبار عن بعض المغيبات يمكن أن يقع لأحد العلماء والصالحين على وجه الكرامة ، ولم نقف على من ينفي ذلك من المتقدمين ، بل ما زالت كتب العقائد وأبواب الكرامات في مصنفات العلماء تتناقل حكاية إخبار أبي بكر الصديق وعمر بن الخطاب رضي الله عنهما ببعض المغيبات ، كإخبار أبي بكر بجنس الحمل الذي كان في بطن زوجته ، كما في "موطأ مالك" (2/752) ، ونداء عمر بن الخطاب القائد سارية ليتحصن بالجبل ، كما رواه اللالكائي (1/120) وغيرها من الحوادث المشهورة . وكذلك لم ينقل أحد عن شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله إنكاره لهذا النوع من الكرامات، فقد توسع رحمه الله في مجموعة من كتبه، وهو يؤكد أن الكرامة تتعلق بشيء من علم الغيب، وقرر ذلك في "العقيدة الواسطية" التي تعد من أصول مصنفات العقائد، حيث قال فيها: "ومن أصول أهل السنة والجماعة : التصديق بكرامات الأولياء، وما يجري الله على أيديهم من خوارق العادات، في أنواع العلوم والمكاشفات ، وأنواع القدرة والتأثيرات، كالمأثور عن سالف الأمم في سورة الكهف وغيرها، وعن صدر هذه الأمة من الصحابة والتابعين ، وسائر قرون الأمة ، وهي موجودة فيها إلى يوم القيامة" انتهى من "مجموع الفتاوى" (3/156) . خير ما يشرح به كلامه هو كلامه نفسه فقد جاء في كتاب: "شرح العقيدة الواسطية من كلام شيخ الإسلام ابن تيمية" ما يلي: "وبيان هذا : أن كرامات الأولياء هي ما يكون للمؤمنين المتقين من الأمور الخارقة للعادة ، فإن الكرامة هي الأمر الخارق للعادة. وأما أولياء الله فإنهم الَّذِينَ آمَنُواْ وَكَانُواْ يَتَّقُونَ [يونس: 63] ، فقد أخبر الله - سبحانه - أن أولياءه هم المؤمنون المتقون، وذلك في قوله - تعالى-: أَلا إِنَّ أَوْلِيَاء اللهِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ الَّذِينَ آمَنُواْ وَكَانُواْ يَتَّقُونَ [يونس: 62 - 63] ، وهي إنما سميت بهذا الاسم؛ لأن الله يكرم"بها أولياءه المتقين وهذه الكرامات، وخوارق العادة أنواع : الأول: "ما هو من جنس العلم كالمكاشفات"، و"هي من جنس العلم الخارق"، فإذا "كان القلب معموراً بالتقوى انجلت له الأمور وانكشفت" و"كلما قوي الإيمان في القلب قوي انكشاف الأمور له، وعرف حقائقها من بواطلها، وكلما ضعف الإيمان ضعف الكشف"، وهذا النوع من الكرامات له صور "فتارة بأن يسمع العبد ما لا يسمعه غيره، وتارة بأن يرى ما لا يراه غيره يقظة ومناماً، وتارة بأن يعلم ما لا يعلمه غيره وحياً وإلهاماً، أو إنزال علم ضروري، أو فراسة صادقة، ويسمى: كشفاً، ومشاهدات، ومكاشفات، ومخاطبات. فالسماع مخاطبات، والرؤية مشاهدات، والعلم مكاشفة. ويسمى كشفاً، ومكاشفة، أي: كشف له عنه"، "مثل قول عمر في قصة سارية، وإخبار أبي بكر بأن ببطن زوجته أنثى، وإخبار عمر بمن يخرج من ولده فيكون عادلاً، وقصة صاحب موسى في علمه بحال الغلام". الثاني: "ما هو من جنس القدرة والملك كالتصرفات الخارقة للعادة"، و"هي من جنس القدرة الخارقة". و"ما كان من باب القدرة فهو التأثير، وقد يكون همة، وصدقاً، ودعوة مجابة، وقد يكون من فعل الله الذي لا تأثير له فيه بحال، مثل هلاك عدوه بغير أثر منه كقوله: " من عادى لي ولياً فقد بارزني بالمحاربة، وإني لأثأر لأوليائي كما يثأر الليث الحرب" ، ومثله تذليل النفوس له، ومحبتها إياه، ونحو ذلك"، ومن أمثلة هذا "قصة الذي عنده علم من الكتاب، وقصة أهل الكهف، وقصة خالد بن الوليد، وسفينة مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأبي مسلم الخولاني، وأشياء يطول شرحها، فإن تعداد هذا مثل المطر، وإنما الغرض التمثيل بالشيء الذي سمعه أكثر الناس، وأما القدرة التي لم تتعلق بفعله، فمثل نصر الله لمن ينصره، وإهلاكه لمن يشتمه". و"كرامات الصحابة، والتابعين بعدهم، وسائر الصالحين كثيرة جداً". الثالث: "ما هو من جنس الغناء عن الحاجات البشرية". وذلك مثل "الاستغناء عن الأكل، والشرب مدة". وهذه الكرامات "إنما حصلت ببركة اتباع رسوله صلى الله عليه وسلم"، فهي من جملة الآيات الدالة على صدق الرسول الذي اتبعوه. فإن"من آيات الأنبياء ما يظهر مثله على أتباعهم، ويكون ما يظهر على أتباعهم من آياتهم، فإن ذلك مختص بمن يشهد بنبوتهم، فهو مستلزم له، لا تكون تلك الآيات إلا لمن أخبر بنبوتهم"، و"لهذا من السلف من يأتي بالآيات دلالة على صحة الإسلام، وصدق الرسول كما ذكر أن خالد بن الوليد شرب السم لما طلب منه آية، ولم يضره" وبالجملة فهذه الكرامات التي تجري لأولياء الله، وعباده الصالحين إنما تكون "لحجة أو حاجة. فالحجة لإقامة دين الله ، والحاجة لما لابد منه من النصر، والرزق الذي به يقوم دين الله . " انتهى، من "شرح العقيدة الواسطية من كلام شيخ الإسلام ابن تيمية" للدكتور خالد المصلح (198-201) . فالمكاشفة بالغيب من الكرامات التي أُثرت عن سالف الأمم ، وعن سلفنا الصالحين، وهي مستمرة إلى يوم القيامة. غير أن الفوارق المهمة التي يجب التنبه لها بين ما يقرره شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله وعلماء أهل السنة، وبين الغلاة الذين خرجوا عن القصد في أبواب الكرامة، إلى حد الخرافة والأساطير، هي ما يلي: أولا: أن المكاشفة ببعض الغيب عند ابن تيمية رحمه الله إنما يقع كرامة عارضة من الله عز وجل، يُكاشَف فيها بالحادثة بعد الحادثة، وبأفراد أحوال تقع له بعض الشيء، وليس حالة دائمة ، يكون للولي المزعوم فيها اطلاع دائم على ما في اللوح المحفوظ ، أو على أمر الغيب كله ؛ حتى ليكاد أن يستوي ما للولي المزعوم فيها ، بما للخالق جل جلاله !! فالغلو في هذا الباب دفع بعضهم إلى اعتقاد أن الولي يمكن أن يكون الغيب المطلق والمقيد أمامه كالكتاب المفتوح، يقرأ منه متى شاء وكيف شاء، فلا يعزب عنه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء، وهذا كفر بالله عز وجل، فالعلم بالغيب كله بهذا الإطلاق لا يكون إلا لله . يقول ابن حجر الهيتمي رحمه الله: " الخواص يجوز أن يعلموا الغيب في قضية أو قضايا، كما وقع لكثير منهم واشتهر. والذي اختص تعالى به : إنما هو علم الجميع ، وعلم مفاتح الغيب المشار إليه بقوله تعالى: ( إنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ) الآية. لقمان/34" . انتهى من "الإعلام بقواطع الإسلام" (ص/114) . وهذا يعني أنه لا يجوز أن يقال عن أحد إنه "يعلم الغيب" هكذا بإطلاق، قال تعالى: ( قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ) الأعراف/ 188 . وعَنِ الرُّبَيِّعِ بِنْتِ مُعَوِّذٍ، قَالَتْ: " دَخَلَ عَلَيَّ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غَدَاةَ بُنِيَ عَلَيّ َ، فَجَلَسَ عَلَى فِرَاشِي كَمَجْلِسِكَ مِنِّي، وَجُوَيْرِيَاتٌ يَضْرِبْنَ بِالدُّفِّ ، يَنْدُبْنَ مَنْ قُتِلَ مِنْ آبَائِهِنَّ يَوْمَ بَدْرٍ، حَتَّى قَالَتْ جَارِيَةٌ : وَفِينَا نَبِيٌّ يَعْلَمُ مَا فِي غَدٍ ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لاَ تَقُولِي هَكَذَا، وَقُولِي مَا كُنْتِ تَقُولِينَ) رواه البخاري (4001) . وغاية ما هنالك أن الرسل والأنبياء تخبر ببعض المغيبات على سبيل المعجزة ، وكذلك يقع لبعض العلماء والأولياء، أما الغيب المطلق فهو لله وحده سبحانه وتعالى . ولذلك : لا يجوز أن يقال إن شيخ الإسلام ابن تيمية يعلم ما في اللوح المحفوظ ، فهذا علم الله سبحانه ، ولم يحك أحد من العلماء ، سواء ابن القيم أو غيره ، أن علم اللوح المحفوظ من علوم ابن تيمية، حاشا وكلا، وغاية ما هنالك أن يكون رحمه الله قد كوشف بانتصار المسلمين في إحدى الوقعات على التتار، فهو كشف جزئي يتعلق بحدث يسير من عالم الغيب ، وهذا ما يتسق مع ما سبق تقريره. بل من الممكن أن يقال إن معنى قول ابن تيمية رحمه الله : " كتب الله تعالى في اللوح المحفوظ: أنهم مهزومون في هذه الكرة وأن النصر لجيوش الإسلام" هو الثقة بوعد الله تعالى ، وإحسان الظن به عز وجل ، وتشجيعا وتثبيتا لمن حوله في ذلك الوقت العصيب ، وليس بمعنى أن ابن تيمية اطلع حقيقة على ما في اللوح المحفوظ بناظريه، بل إيمانه بالله الذي قال: ( كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ) المجادلة/21 ، دفعه إلى الإخبار عن الله أنه كتب لهم النصر في المعركة . وحينئذ لا يكون في النقل أية مكاشفة ، وإنما فيه علو مقام التعبد والتأله والتعلق بالله سبحانه الذي بلغه هذا الشيخ العظيم . وبعض أصحاب شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله ، العارفين به ، قد حملوا ما اتفق له من ذلك ، على هذا المحمل فعلا ؛ وهم كانوا أولى بنشر فضيلة شيخ الإسلام في ذلك ، إن كانوا يرون أن في مثل ذلك فضيلة تقصد : أعني العلم بالغيب ، أو الاطلاع على اللوح المحفوظ . يقول الحافظ ابن كثير رحمه الله ، وهو يتحدث عن وقعة "شقحب" : " ووصل التتار إِلَى حِمْصَ وَبَعْلَبَكَّ وَعَاثُوا فِي تِلْكَ الْأَرَاضِي فَسَادًا، وَقَلِقَ النَّاسُ قَلَقًا عَظِيمًا، وَخَافُوا خَوْفًا شَدِيدًا، وَاخْتَبَطَ الْبَلَدُ لِتَأَخُّرِ قُدُومِ السُّلْطَانِ بِبَقِيَّةِ الْجَيْشِ، وَقَالَ النَّاسُ لَا طَاقَةَ لِجَيْشِ الشَّامِ مَعَ هَؤُلَاءِ الْمِصْرِيِّينَ بِلِقَاءِ التَّتَارِ لِكَثْرَتِهِمْ، وَإِنَّمَا سَبِيلُهُمْ أَنْ يَتَأَخَّرُوا عَنْهُمْ مَرْحَلَةً مَرْحَلَةً، وَتَحَدَّثَ النَّاسُ بِالْأَرَاجِيفِ فَاجْتَمَعَ الْأُمَرَاءُ يَوْمَ الْأَحَدِ الْمَذْكُورِ بالميدان وَتَحَالَفُوا عَلَى لِقَاءِ الْعَدُوِّ، وَشَجَّعُوا أَنْفُسَهُمْ، وَنُودِيَ بِالْبَلَدِ أَنْ لَا يَرْحَلَ أَحَدٌ مِنْهُ، فَسَكَنَ النَّاسُ وَجَلَسَ الْقُضَاةُ بِالْجَامِعِ وَحَلَّفُوا جَمَاعَةً مِنَ الْفُقَهَاءِ وَالْعَامَّةِ عَلَى الْقِتَالِ، وَتَوَجَّهَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدين بن تيمية إِلَى الْعَسْكَرِ الْوَاصِلِ مِنْ حَمَاةَ فَاجْتَمَعَ بِهِمْ في القطيعة فَأَعْلَمَهُمْ بِمَا تَحَالَفَ عَلَيْهِ الْأُمَرَاءُ وَالنَّاسُ مِنْ لِقَاءِ الْعَدُوِّ، فَأَجَابُوا إِلَى ذَلِكَ وَحَلَفُوا مَعَهُمْ، وكان الشيخ تقي الدين بن تَيْمِيَّةَ يَحْلِفُ لِلْأُمَرَاءِ وَالنَّاسِ إِنَّكُمْ فِي هَذِهِ الكرة منصورون، فَيَقُولُ لَهُ الْأُمَرَاءُ: قُلْ إِنْ شَاءَ اللَّهُ، فَيَقُولُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَحْقِيقًا لَا تَعْلِيقًا!! وَكَانَ يَتَأَوَّلُ فِي ذَلِكَ أَشْيَاءَ مِنْ كِتَابِ الله منها قوله تعالى (وَمَنْ بُغِيَ عَلَيْهِ لَيَنْصُرَنَّهُ الله) [الحج: 6 0] " انتهى من "البداية والنهاية" (14/27-28) ، وانظر (14/30) . بل إن صاحبه ابن القيم رحمه الله ، الذي حكى النص السابق الوارد في السؤال ، إنما ذكره في باب " الفراسة" ، وليس في باب علم الغيب ، ولا ادعى له قط ـ وحاشاهما ـ أن يكون له اطلاع على اللوح المحفوظ ، أو أنه يدعي ذلك ؛ وقد قدم لتلك القصة بقوله : " ولقد شاهدت من فراسة شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله - أمورا عجيبة. وما لم أشاهده منها أعظم وأعظم. ووقائع فراسته تستدعي سفرا ضخما" انتهى . ومن المعلوم أن الفراسة الصادقة ، والإلهام ، والتحديث الصادق : هي من أمور الغيب النسبي ، الذي يطلع الله عليه من شاء من عباده ، كما هو مقرر في أبواب كرامات الأولياء ، كما سبق نقله عن شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله ؛ مع أنها في نفسها لا تكون معصومة من الخطأ ، وإن بلغ صاحبها في الولاية والعلم ، ما بلغ ، ما دام أنه ليس من الأنبياء . يقول شيخ الإسلام رحمه الله : " ومما ينبغي أن يعلم أن سبب ضلال النصارى وأمثالهم من الغالية كغالية العباد والشيعة وغيرهم ثلاثة أشياء: أحدها: ألفاظ متشابهة مجملة مشكلة منقولة عن الأنبياء، وعدلوا عن الألفاظ الصريحة المحكمة... والثاني: خوارق ظنوها آيات ، وهي من أحوال الشياطين . وهذا مما ضل به كثير من الضلال المشركين وغيرهم، مثل دخول الشياطين في الأصنام وتكليمها للناس، ومثل إخبار الشياطين للكهان بأمور غائبة ، ولا بد لهم مع ذلك من كذب ، ومثل تصرفات تقع من الشياطين. والثالث: أخبار منقولة إليهم ظنوها صدقا ، وهي كذب ... وكذلك ما يذكرونه من خوارق العادات: إما أن يكون صحيحا قد ظهر على يد نبي كمعجزات المسيح ومن قبله ، كإلياس واليسع وغيرهما من الأنبياء ، وكمعجزات موسى : فهذه حق. وإما أن تكون قد ظهرت على يد بعض الصالحين ، كالحواريين ، وذلك لا يستلزم أن يكونوا معصومين كالأنبياء، فإن الأنبياء معصومون فيما يبلغونه ، لا يتصور أن يقولوا على الله إلا الحق ، ولا يستقر في كلامهم باطل ، لا عمدا ولا خطأ. وأما الصالحون : فقد يغلط أحدهم ويخطئ ، مع ظهور الخوارق على يديه . وذلك لا يخرجه عن كونه رجلا صالحا ، ولا يوجب أن يكون معصوما إذا كان هو لم يدع العصمة ، ولم يأت بالآيات دالة على ذلك . ولو ادعى العصمة وليس بنبي ، لكان كاذبا ، لا بد أن يظهر كذبه ، وتقترن به الشياطين فتضله ، ويدخل في قوله - تعالى -:
فتاوى أخرى من مكتبتنا في الموضوع نفسه