هذا الموقع قيد المراجعة، لا تعتمد عليه في الأحكام النهائية.
السؤال
خروج المذي حتمي قبل خروج المني . والقاعدة معلومة أن المذي نجس ، أما المني فطاهر ، فكيف إذاً نفهم حديث عائشة رضي الله عنها في " صحيح مسلم " عندما قالت : ( إنها كانت تفرك المني من ملابس رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم يصلي فيها ) أي بعبارة أخرى : كيف يمكن أن تُصاب الملابس بالمني قبل أن يقع عليها المذي ؟ أرجو توضيح هذا الإشكال .
الجواب
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
أولا : الحكم بطهارة شيء أو نجاسته هو حكم شرعي ، أي : يجب أن يُتَلَقَّى من الشرع ، ويؤخذ من الأدلة الشرعية . فإذا أردنا معرفة حكم المني من حيث الطهارة أو النجاسة ، فإننا ننظر إلى الأدلة الشرعية ( الكتاب والسنة النبوية والإجماع والقياس ... وسائر الأدلة ) لاستخلاص هذا الحكم ، وسنجد أن الأدلة الشرعية تدل على طهارة المني ، وقد سبق بيان ذلك في الفتوى رقم : (170012) .
ثم إذا ورد إشكال على هذا الحكم الشرعي المستفاد من الأدلة الشرعية : فالواجب البحث له عن جواب سليم مقنع تجتمع به الأدلة الشرعية مع واقع الأمر ، أو مع ما يظنه السائل واقعاً .
والإشكال الذي ذكره السائل هنا إشكال وارد بلا شك ، وهو ليس جديداً ، فقد تحدث العلماء عنه قديماً ، وأجابوا عنه أيضا !!
والجواب على هذا الإشكال من عدة أوجه : الأول : أن القول بأن "خروج المذي قبل المني هو أمر حتمي" : قول غير صحيح ؛ وأنه لا تلازم بين خروج المني ، وخروج المذي قبله . قال ابن قدامة الحنبلي رحمه الله في "المغني" (2/499) " وَذَكَرَ الْقَاضِي فِي الْمَنِيِّ مِنْ الْجِمَاعِ أَنَّهُ نَجِسٌ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَسْلَمُ مِنْ الْمَذْيِ . وَقَدْ ذَكَرْنَا فَسَادَ هَذَا . فَإِنَّ مَنِيَّ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إنَّمَا كَانَ مِنْ جِمَاعٍ [ لأن الأنبياء لا يحتلمون ] ، وَهُوَ الَّذِي وَرَدَتْ الْأَخْبَارُ بِفَرْكِهِ " انتهى . وانظر : " الشرح الكبير " (1/309) . والإشارة بقوله : " وقد ذكرنا فساد هذا " ، إلى ما ذكره قبل ذلك بعدة صفحات (2/492) وهو يرد على كلام القاضي قال : " وَلَا يَصِحُّ التَّعْلِيلُ ، فَإِنَّ الشَّهْوَةَ إذَا اشْتَدَّتْ خَرَجَ الْمَنِيُّ دُونَ الْمَذْيِ ، كَحَالِ الِاحْتِلَامِ " انتهى . وانظر : " المبدع " (1/218) . وقد نقل الحافظ ابن حجر في " فتح الباري " (1/398) جواب ابن قدامة رحمه الله ووافقه عليه . وعلى هذا ؛ فالمقدمة التي بُني عليها هذا الإشكال غير صحيحة .
الوجه الثاني : على فرض أن هذه المقدمة صحيحة – وهي ليست كذلك – فإن هذا المذي هو شيء يسير : خالط المني ، واستُهلِك فيه ؛ فلم يبق له أثر ، ولم ينجس المحل . وإذا كان يعفى عن يسير المذي المنفرد ، كما هو الأصل في النجاسات التي يُعفى عن يسيرها ؛ فمن باب أولى يُعفى عن يسيره المختلط بالمني الطاهر . يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله : " النجاسات على قسمين : ما يبطل الصلاة قليلها وكثيرها . وما يعفى عن يسيرها . أما المذي فيُعفى عنه في أقوى الروايتين ؛ لأن البلوى تعم به ، ويشق التحرز منه ، فهو كالدم ، بل أولى ؛ للاختلاف في نجاسته ، والاجتزاء عنه بنضحه " انتهى من " شرح عمدة الفقه لابن تيمية - من كتاب الطهارة والحج " (1/ 104) . ويقول الشيخ ابن عثيمين رحمه الله : " يُعفى عن النجاسات فيما يأتي : أولا : يسير الدم وما تولد منه ، إلا دم الحيض . ثانيا : يسير المذي وسلس البول مع كمال التحفظ ... إلخ " انتهى من " تعليقات الشيخ ابن عثيمين على الكافي لابن قدامة " (1/ 56 ، بترقيم الشاملة آلياً )
وقد ذهب بعض العلماء إلى نجاسة المني لأنه يخرج من مخرج البول ، فيتنجس بآثار البول ، وأُجيب بجوابين : 1- أن هذا مما عَفَى الشرع عنه . 2- أن ملاقاة النجاسة في الباطن لا تؤثر، وإنما تؤثر ملاقاتها في الظاهر . انظر : " المجموع " للنووي (1/301) ، (2/574) . وللمزيد يرجى مراجعة الفتوى رقم : (97942) . والله أعلم .
فتاوى أخرى من مكتبتنا في الموضوع نفسه