هذا الموقع قيد المراجعة، لا تعتمد عليه في الأحكام النهائية.
السؤال
ما مقدار الوكيرة ؟ ، هل هي وليمة أم أضحية ؟ وماذا يسنّ أن يكون طعامها ؟ وهل تكون للفقراء ، أم للأقارب ، أم للجيران ؟ وما هو وقتها ؟ ، هل قبل الدخول إلى المسكن الجديد أم بعد السكن فيه بقليل ؟ وما هي المدّة المستحبّة قبل أو بعد السكن للقيام بها ؟ وما هي فوائدها الدنيوية والأخروية ؟
الجواب
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
أولا : الوكيرة طعام سرور وشكران ، يتخذه الإنسان عند فراغه من البناء ، ويدعو إليه الناس ، وقد استحبها كثير من الفقهاء ، وليس فيها حديث عن النبي صلى الله عليه وسلم . جاء في " الموسوعة الفقهية " (45/ 115-118) . " الْوَكِيرَةُ فِي اللُّغَةِ مِنَ الْوَكْرِ، وَهُوَ عُشُّ الطَّائِرِ أَيْنَ كَانَ ، فِي جَبَلٍ أَوْ شَجَرٍ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ . وَالْوَكْرَةُ وَالْوَكَرَةُ وَالْوَكِيرَةُ : الطَّعَامُ يَتَّخِذُهُ الشَّخْصُ عِنْدَ فَرَاغِهِ مِنْ بُنْيَانٍ فَيَدْعُو إِلَيْهِ . وَفِي الاِصْطِلاَحِ : هُوَ الطَّعَامُ الَّذِي يُتَّخَذُ عِنْدَ الْفَرَاغِ مِنْ بِنَاءِ الدُّورِ فَيُدْعَى إِلَيْهِ . واخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي حُكْمِ فِعْل الْوَكِيرَةِ وَالدَّعْوَةِ إِلَيْهَا : فَقَال الشَّافِعِيَّةُ : الْوَكِيرَةُ ـ كَسَائِرِ الْوَلاَئِمِ غَيْرَ وَلِيمَةِ الْعُرْسِ ـ مُسْتَحَبَّةٌ ، وَلَيْسَتْ بِوَاجِبَةٍ، عَلَى الْمَذْهَبِ ، وَبِهِ قَطَعَ الْجُمْهُورُ ، وَلاَ تَتَأَكَّدُ تَأَكُّدَ وَلِيمَةِ النِّكَاحِ . وَقَال الْحَنَابِلَةُ : فِعْل الدَّعَوَاتِ ، لِغَيْرِ وَلِيمَةِ الْعُرْسِ : مُبَاحٌ، فَلاَ يُكْرَهُ وَلاَ يُسْتَحَبُّ.
واخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي حُكْمِ إِجَابَةِ الدَّعْوَةِ لِلْوَكِيرَةِ : فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ فِي الْمَذْهَبِ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّ إِجَابَةَ الدَّعْوَةِ لِلْوَكِيرَةِ غَيْرُ وَاجِبَةٍ، فَهِيَ سُنَّةٌ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ ، وَمُسْتَحَبَّةٌ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ . وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ فِي قَوْلٍ إِلَى وُجُوبِ إِجَابَةِ الدَّعْوَةِ إِلَى الْوَكِيرَةِ وَسَائِرِ الْوَلاَئِمِ ، غَيْرَ وَلِيمَةِ الْعُرْسِ . وَيَرَى الْمَالِكِيَّةُ فِي قَوْلٍ أَنَّ حُضُورَ الدَّعْوَةِ لِلْوَكِيرَةِ مَكْرُوهٌ ، وَفِي قَوْلٍ آخَرَ لَهُمْ أَنَّ حُضُورَ الدَّعْوَةِ لِلْوَكِيرَةِ مُبَاحٌ . كما ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ : الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ فِي أَصَحِّ الْوَجْهَيْنِ ، وَالْحَنَابِلَةُ : إِلَى أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ لِمَنْ حَضَرَ طَعَامَ الْوَكِيرَةِ ، وَقَدْ دُعِيَ إِلَيْهِ : أَكْلُهُ مِنْهُ ، إِنْ كَانَ غَيْرَ صَائِمٍ " انتهى باختصار .
ثانيا : الوكيرة : طعام ، وصنيعة تصنع للناس . قال المرداوي رحمه الله في " الإنصاف " : " الْأَطْعِمَةُ الَّتِي يُدْعَى إلَيْهَا النَّاسُ عَشَرَةٌ : الْأَوَّلُ: الْوَلِيمَةُ ، وَهِيَ طَعَامُ الْعُرْسِ ... الْخَامِسُ : الْوَكِيرَةُ، لِدَعْوَةِ الْبِنَاءِ..." . انتهى من "الإنصاف" (8/316) . وقال ابن القيم رحمه الله : " الْأَطْعِمَة الْمُعْتَادَة الَّتِي تجْرِي مجْرى الشكران كلهَا سَبِيلهَا الطَّبْخ ، وَلها أَسمَاء مُتعَدِّدَة : 1 _ فالقرى طَعَام الضيفان 2 _ والمأدبة طَعَام الدعْوَة 3 _ والتحفة طَعَام الزائر 4 _ والوليمة طَعَام الْعرس 5 _ والخرس طَعَام الْولادَة 6 _ والعقيقة الذّبْح عَنهُ يَوْم حلق رَأسه فِي السَّابِع 7 _ والغديرة طَعَام الْخِتَان 8 _ والوضيمة طَعَام المأتم 9 _ والنقيعة طَعَام القادم من سَفَره 10 _ والوكيرة طَعَام الْفَرَاغ من الْبناء . فَكَانَ الْإِطْعَام عِنْد هَذِه الْأَشْيَاء أحسن من تَفْرِيق اللَّحْم " . انتهى من " تحفة المودود " (ص 76) .
ثالثا : تجوز الوكيرة ، وغيرها من صنائع الطعام ، باللحم وبغيره مما تيسر له ، ولا ينبغي أن يشق على نفسه فيه ، وإن كان طبخ اللحم أفضل من غيره عند القدرة عليه . روى البخاري (4213) أنس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قال : " أَقَامَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَ خَيْبَرَ ، وَالمَدِينَةِ ثَلاَثَ لَيَالٍ يُبْنَى عَلَيْهِ بِصَفِيَّةَ ، فَدَعَوْتُ المُسْلِمِينَ إِلَى وَلِيمَتِهِ ، وَمَا كَانَ فِيهَا مِنْ خُبْزٍ وَلاَ لَحْمٍ ، وَمَا كَانَ فِيهَا إِلَّا أَنْ أَمَرَ بِلاَلًا بِالأَنْطَاعِ فَبُسِطَتْ ، فَأَلْقَى عَلَيْهَا التَّمْرَ وَالأَقِطَ وَالسَّمْنَ " . فإذا جازت وليمة العرس بغير اللحم ، وهي آكد الولائم ، فلأن يجوز غيرها من صنائع الطعام ، بغير اللحم : أولى .
رابعا : وأما وقت الوكيرة : فالأمر فيه واسع ، إلا أن العادة جرت بذلك بعد الفراغ من البناء والانتقال إليه . وقال ابن دريد رحمه الله في " الجمهرة " (2/ 800) : " التوكير: أَن يدعوَ الناسَ إِلَى طَعَام يتّخذه ، إِذا فرغ من بِنَاء بَيته أَو دَاره " . وقال الغزولي رحمه الله في "مطالع البدور" (ص 161) : " الوكيرة طعام البناء ، كان الرجل إذا فرغ من بنائه يطعم أصحابه " انتهى . وقال علماء اللجنة : " إن كان القصد من الذبح إكرام الجيران الجدد ، والتعرف عليهم ، وشكر الله على ما أنعم به من السكن الجديد ، وإكرام الأقارب والأصدقاء بهذه المناسبة ، وتعريفهم بهذا المسكن : فهذا خير يُحمد عليه فاعله ، لكن ذلك إنما يكون عادة بعد نزول أهل البيت فيه ، لا قبل " انتهى من " فتاوى اللجنة الدائمة " ( 1 / 214 ) .
خامسا : وأما حكمة هذه الصنائع من الطعام فهي إشاعة السرور بما تجدد من نعمة الله على صاحبها . جاء في " الموسوعة الفقهية " (45/118) : " الْحِكْمَةُ فِي الإْجَابَةِ إِلَى الدَّعْوَةِ لِلْوَكِيرَةِ عِنْدَ مَنْ يَقُول بِمَشْرُوعِيَّتِهَا إِدْخَال السُّرُورِ عَلَى الْمُؤْمِنِ الدَّاعِي ، وَجَبْرُ قَلْبِهِ ، وَتَطْيِيبُ خَاطِرِهِ . وَيَنْبَغِي ـ كَمَا نَقَل الرَّمْلِيُّ عَنِ الْغَزَالِيِّ ـ أَنْ يَقْصِدَ الْمَدْعُوُّ بِإِجَابَتِهِ الاِقْتِدَاءَ بِالسُّنَّةِ حَتَّى يُثَابَ ، وَزِيَارَةَ أَخِيهِ وَإِكْرَامِهِ حَتَّى يَكُونَ مِنَ الْمُتَحَابِّينَ الْمُتَزَاوِرِينَ فِي اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى ، أَوْ صِيَانَةَ نَفْسِهِ عَنْ أَنْ يُظَنَّ بِهِ كِبْرٌ أَوِ احْتِقَارُ مُسْلِمٍ " انتهى . راجع للاستزادة جواب السؤال رقم : (89705) .
والله تعالى أعلم .
فتاوى أخرى من مكتبتنا في الموضوع نفسه