هذا الموقع قيد المراجعة، لا تعتمد عليه في الأحكام النهائية.
السؤال
ما هي الأدلة من القرآن والأحاديث النبوية على أن إجماع العلماء يستخدم كدليل في التشريع الإسلامي ؟
الجواب
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
الإجماع الصحيح أحد مصادر التشريع الإسلامي ، فإذا ثبت الإجماع فهو حجة شرعية ملزمة ، لا يجوز لأحد مخالفته . وانظر جواب السؤال رقم : (112268) ، (131935) . وقد دل على حجية الإجماع أدلة كثيرة من القرآن الكريم والسنة النبوية . فمن أدلة القرآن الكريم : - قوله تعالى : ( وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا ) النساء/ 115 . قال ابن كثير رحمه الله : " وَالَّذِي عَوَّلَ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ ، رَحِمَهُ اللَّهُ ، فِي الِاحْتِجَاجِ عَلَى كَوْنِ الْإِجْمَاعِ حُجَّةً تَحْرُم مُخَالَفَتُهُ هَذِهِ الْآيَةُ الْكَرِيمَةُ ، بَعْدَ التَّرَوِّي وَالْفِكْرِ الطَّوِيلِ ، وَهُوَ مِنْ أَحْسَنِ الِاسْتِنْبَاطَاتِ وَأَقْوَاهَا " . انتهى من "تفسير ابن كثير" (2/ 413) . ووجه الدلالة من الآية : أن الله تعالى توعد من اتبع غير سبيل المؤمنين بالعذاب ؛ فدل ذلك على وجوب اتباع سبيل المؤمنين ، وهو ما أجمعوا عليه . - وقال تعالى : ( وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا ) البقرة/ 143 . قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله : " وَالْوَسَطُ الْعَدْلُ الْخِيَارُ وَقَدْ جَعَلَهُمْ اللَّهُ شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَأَقَامَ شَهَادَتَهُمْ مَقَامَ شَهَادَةِ الرَّسُولِ ، وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُرَّ عَلَيْهِ بِجِنَازَةٍ فَأَثْنَوْا عَلَيْهَا خَيْرًا فَقَالَ : وَجَبَتْ وَجَبَتْ ، ثُمَّ مُرَّ عَلَيْهِ بِجِنَازَةٍ فَأَثْنَوْا عَلَيْهَا شَرًّا فَقَالَ : وَجَبَتْ وَجَبَتْ ، قَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا قَوْلُك وَجَبَتْ وَجَبَتْ ؟ قَالَ : ( هَذِهِ الْجِنَازَةُ أَثْنَيْتُمْ عَلَيْهَا خَيْرًا فَقُلْت : وَجَبَتْ لَهَا الْجَنَّةُ ، وَهَذِهِ الْجِنَازَةُ أَثْنَيْتُمْ عَلَيْهَا شَرًّا فَقُلْت : وَجَبَتْ لَهَا النَّارُ . أَنْتُمْ شُهَدَاءُ اللَّهِ فِي الْأَرْضِ ) . فَإِذَا كَانَ الرَّبُّ قَدْ جَعَلَهُمْ شُهَدَاءَ لَمْ يَشْهَدُوا بِبَاطِلِ ، فَإِذَا شَهِدُوا أَنَّ اللَّهَ أَمَرَ بِشَيْءٍ فَقَدْ أَمَرَ بِهِ، وَإِذَا شَهِدُوا أَنَّ اللَّهَ نَهَى عَنْ شَيْءٍ فَقَدْ نَهَى عَنْهُ ، وَلَوْ كَانُوا يَشْهَدُونَ بِبَاطِلٍ أَوْ خَطَأٍ لَمْ يَكُونُوا شُهَدَاءَ اللَّهِ فِي الْأَرْضِ ، بَلْ زَكَّاهُمْ اللَّهُ فِي شَهَادَتِهِمْ كَمَا زَكَّى الْأَنْبِيَاءَ فِيمَا يُبَلِّغُونَ عَنْهُ أَنَّهُمْ لَا يَقُولُونَ عَلَيْهِ إلَّا الْحَقَّ ، وَكَذَلِكَ الْأُمَّةُ لَا تَشْهَدُ عَلَى اللَّهِ إلَّا بِحَقٍّ ، وَقَالَ تَعَالَى : ( وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إلَيَّ ) وَالْأُمَّةُ مُنِيبَةٌ إلَى اللَّهِ فَيَجِبُ اتِّبَاعُ سَبِيلِهَا " . انتهى من "مجموع الفتاوى" (19 /177-178) .
- قوله تعالى : ( فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ) النساء/ 59 . فقوله : ( فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ ) يدل على أن ما أجمعوا عليه لا يجب رده إلى الكتاب والسنة اكتفاء بالإجماع المنعقد . ومن الأدلة من السنة على حجية الإجماع : -ما رواه الترمذي (2167) عَنْ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ( إِنَّ اللَّهَ لَا يَجْمَعُ أُمَّتِي عَلَى ضَلَالَةٍ ، وَيَدُ اللَّهِ مَعَ الجَمَاعَةِ ) وصححه الألباني في "صحيح الترمذي" . ورواه ابن أبي عاصم في " السنة " (83) عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ : " أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَقُولُ : ( إِنَّ اللَّهَ قَدْ أَجَارَ أُمَّتِي أَنْ تَجْتَمِعَ عَلَى ضَلَالَةٍ ) " . وصححه الألباني في " صحيح الجامع " (1786) . وأمر الرسول صلى الله عليه وسلم في أكثر من حديث بملازمة جماعة المسلمين ، ونهى عن مخالفتهم ومفارقتهم ، كما في قوله صلى الله عليه وسلم : ( لَيْسَ أَحَدٌ يُفَارِقُ الجَمَاعَةَ شِبْرًا فَيَمُوتُ ، إِلَّا مَاتَ مِيتَةً جَاهِلِيَّةً ) وروى البخاري (7143) ، ومسلم (1849) ، وقوله صلى الله عليه وسلم : ( مَنْ فَارَقَ الْجَمَاعَةَ شِبْرًا فَقَدْ خَلَعَ رِبْقَةَ الْإِسْلَامِ مِنْ عُنُقِهِ ) رواه أبو داود (4758) ، وصححه الألباني في " صحيح أبي داود " . قال الإمام الشافعي رحمه الله : " وأمْرُ رسول الله بلزوم جماعة المسلمين مما يُحتج به في أن إجماع المسلمين - إن شاء الله - لازمٌ " انتهى من "الرسالة" (1/ 403) . وقال ابن قدامة رحمه الله : " وهذه الأخبار لم تزل ظاهرة مشهورة في الصحابة والتابعين ، لم يدفعها أحد من السلف والخلف. وهي وإن لم تتواتر آحادها، حصل لنا بمجموعها العلم الضروري: أن النبي صلى الله عليه وسلم عظم شأن هذه الأمة ، وبين عصمتها عن الخطأ " . انتهى من "روضة الناظر" (1/ 387) . فهذا بعض ما احتج به أهل العلم من أدلة الكتاب والسنة على أن الإجماع حجة شرعية . وقال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله : " إجماع الأمة على شيء إما أن يكون حقا وإما أن يكون باطلا ، فإن كان حقا فهو حجة ، وإن كان باطلا فكيف يجوز أن تجمع هذه الأمة التي هي أكرم الأمم على الله منذ عهد نبيها إلى قيام الساعة على أمر باطل لا يرضى به الله ؟ ! هذا من أكبر المحال " . انتهى من "مجموع فتاوى ورسائل العثيمين" (11/ 63) . والله تعالى أعلم .
فتاوى أخرى من مكتبتنا في الموضوع نفسه