هذا الموقع قيد المراجعة، لا تعتمد عليه في الأحكام النهائية.
السؤال
امرأة أوقعت بين اثنين كانا على وشك الارتباط بالزواج ؛ وكانت قد تدخلت لتحل مشكلة بينهما ، لكنها نقلت كلاما سيئا بينهما ، لكل طرف عن الآخر ، فافترقا ، وتبادلا بينهما الإهانات والإساءات بسبب الكلام المنقول كذبا بينهما . ثم إن الشاب ذهب وخطب الفتاة التي أوقعت بينه وبين الفتاة الأولى التي كان يريد خطبتها . فما حكمها عند ربنا ؟ وهل سيأتي اليوم الذي يعرف فيه هذا الرجل أنه ظلم البنت أم لا ؟
الجواب
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
أولا : الوقيعة بين المسلمين من كبائر الذنوب التي تفسد النوايا في القلوب ، وتفسد العلائق بين الناس ، وتنشر الفساد في الأرض . جاء في "الموسوعة الفقهية" (5 /291) : " تَحْرُمُ الْوَقِيعَةُ وَإِفْسَادُ ذَاتِ الْبَيْنِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ ، لأِمْرَيْنِ : الأْوَّل : الإْبْقَاءُ عَلَى وَحْدَةِ الْمُسْلِمِينَ . الثَّانِي : رِعَايَةُ حُرْمَتِهِمْ ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى : ( وَاعْتَصِمُوا بِحَبْل اللَّهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُوا ) آل عمران/103 ؛ وَلِهَذَا كَانَ إِصْلاَحُ ذَاتِ الْبَيْنِ مِنْ أَفْضَل الْقُرُبَاتِ ، وَإِفْسَادُ ذَاتِ الْبَيْنِ مِنْ أَكْبَرِ الْكَبَائِرِ ؛ لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( أَلاَ أُخْبِرُكُمْ بِأَفْضَل مِنْ دَرَجَةِ الصِّيَامِ وَالصَّلاَةِ وَالصَّدَقَةِ ؟ ) قَالُوا : بَلَى ، قَال : ( إِصْلاَحُ ذَاتِ بَيْنٍ ، فَإِنَّ فَسَادَ ذَاتِ الْبَيْنِ هِيَ الْحَالِقَةُ ) رواه الترمذي (2509) وصححه الألباني في " صحيح الجامع " (2595). وَلِهَذَا نَهَى الرَّسُول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ تَتَبُّعِ عَوْرَاتِ الْمُسْلِمِينَ ، وَعَنِ الْغِيبَةِ ، وَالنَّمِيمَةِ ، وَسُوءِ الظَّنِّ ، وَالتَّبَاغُضِ ، وَالتَّحَاسُدِ ، وَكُل مَا يُؤَدِّي إِلَى الْوَقِيعَةِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ " انتهى .
ويتأكد هذا التحريم إذا كانت الوقيعة بين الناس لإفساد ما عسى أن يكون من أسباب ائتلافهم ومحبتهم واجتماعهم ، كالزواج .
ثانيا : تتضمن الوقيعة بين الناس غالبا الكذب والغيبة والنميمة والبهتان ، وكل ذلك من كبائر الذنوب . راجعي أجوبة الأسئلة أرقام (23328) ، (101776) ، (99554) لمعرفة مفاسد هذه الصفات الذميمة وكيفية التوبة منها .
ثالثا : يحرم على المسلمة أن توقع بين الخاطب وخطيبته لتظفر هي به ؛ فإن ذلك من مساوئ الأخلاق ومن الصفات المذمومة ؛ فقد روى البخاري (6601) ومسلم (1408) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ( لَا يَخْطُبُ الرَّجُلُ عَلَى خِطْبَةِ أَخِيهِ ، وَلَا يَسُومُ عَلَى سَوْمِ أَخِيهِ ، وَلَا تُنْكَحُ الْمَرْأَةُ عَلَى عَمَّتِهَا وَلَا عَلَى خَالَتِهَا ، وَلَا تَسْأَلُ الْمَرْأَةُ طَلَاقَ أُخْتِهَا لِتَكْتَفِئَ صَحْفَتَهَا وَلْتَنْكِحْ ، فَإِنَّمَا لَهَا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَهَا ) . قال النووي رحمه الله : " مَعْنَى هَذَا الْحَدِيث : نَهْي الْمَرْأَة الْأَجْنَبِيَّة أَنْ تَسْأَل الزَّوْج طَلَاق زَوْجَته , وَأَنْ يَنْكِحهَا وَيَصِير لَهَا مِنْ نَفَقَته وَمَعْرُوفه وَمُعَاشَرَته وَنَحْوهَا مَا كَانَ لَلْمُطَلَّقَة ، فَعَبَّرَ عَنْ ذَلِكَ بِاكْتِفَاءِ مَا فِي الصَّحِيفَة مَجَازًا " انتهى من " شرح صحيح مسلم " (9/193) . وقال الحافظ رحمه الله : " وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى تَحْرِيم خِطْبَة الْمَرْأَة عَلَى خِطْبَة اِمْرَأَة أُخْرَى إِلْحَاقًا لِحُكْمِ النِّسَاء بِحُكْمِ الرِّجَال , وَصُورَته أَنْ تَرْغَب اِمْرَأَة فِي رَجُل وَتَدْعُوهُ إِلَى تَزْوِيجهَا فَيُجِيبهَا ، فَتَجِيء اِمْرَأَة أُخْرَى فَتَدْعُوهُ وَتُرَغِّبهُ فِي نَفْسهَا وَتُزَهِّدهُ فِي الَّتِي قَبْلهَا " انتهى من " فتح الباري " (9/200) .
رابعا : ليست القضية في معرفة أطراف المشكلة بحقيقة الحال ، من عدم ذلك ، فأمر الدنيا قد يخفى ، لكن يوم تبلى السرائر عند رب العالمين ، ويظهر ما تكن النفوس وتخفي الصدور ، ماذا يكون جواب المفسد والنمام عند الله ؟ والواجب على من فعلت ذلك أن تسارع إلى التوبة ، ومن تمام ذلك أن تحسن فيما أساءت فيه ، وتقر لكل طرف بما قالته عن الآخر ، ليكونا من أمرهما على بصيرة ؛ إن شاءا عادا وأتما زواجهما ، وإن شاءا بقيا على ما هما عليه . وإن شق التصريح بحقيقة الحال ، فمن الممكن أن يكون ذلك تلميحا ، أو يكون عن طريق طرف آخر ، يسعى للصلح ، وبيان الحق فيما جرى . وينظر إجابة السؤال رقم (14092) ورقم (178714) . والله أعلم .
فتاوى أخرى من مكتبتنا في الموضوع نفسه