هذا الموقع قيد المراجعة، لا تعتمد عليه في الأحكام النهائية.
السؤال
كيف كانت عالمات الحديث يقمن بالتدريس فى المساجد ، حيث يحضر الرجال والنساء فى الحلقة ، هل كانت هناك حواجز ، وهل كان هناك تواصل بالأعين...الخ ، وهل هؤلاء النساء كن يسافرن لتحصيل العلم بالحديث دون محرم ، حيث يعتقد بعض الناس أنه يجوز للنساء السفر لتحصيل العلم دون محرم ، بما أن السفر اليوم أكثر أمنا من ذي قبل بسبب الأمن فى المواصلات ، وربما يفترضون أن التحريم فيما مضى كان لدواعٍ أمنية كقطاع الطريق في الصحراء...الخ ؟
الجواب
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
طلب العلم في الإسلام ليس ممارسة إنسانية فحسب ، ولكنه عبادة يتقرب بها المسلمون لربهم عز وجل ، ويبتغون بها الثواب عنده سبحانه في أعلى درجات الجنة مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين . ولما كان العلم عبادة كان المسلمون يحرصون على التزام شريعة الله في تحمله وأدائه ، ويراقبون الله عز وجل في خواطر قلوبهم ونوازع نفوسهم كي لا تميل بهم عن جادة العلم الذي يبتغى به وجه الله ، ومن ذلك أن مسيرة طلب العلم لدى نساء المسلمين وفتياتهم لا بد وقد انضبطت بأحكام الشريعة أيضا ، وفي الوقت نفسه لم تكن تلك الأحكام بمانعة لهن عن استكمال طريق العلم ، كما قالت عائشة رضي الله عنها : ( نِعْمَ النِّسَاءُ نِسَاءُ الْأَنْصَارِ لَمْ يَكُنْ يَمْنَعُهُنَّ الْحَيَاءُ أَنْ يَتَفَقَّهْنَ فِي الدِّينِ ) رواه مسلم (رقم/332) . والتزام طالبة العلم المسلمة – في كتب تراجم النساء والرواة والعلماء - يظهر في جوانب عدة ، هي : أولا : تحريم السفر بغير محرم ، فقد كان محل اتفاق بين العلماء ، ولم يستثن بعض الفقهاء والمحدثين شيئا سوى سفر الحج والعمرة الواجبين ، فلا يعرف عن المرأة أنها كانت تقطع مسافات الأسفار ، وتعرض نفسها للأخطار العظيمة في تلك الأزمان إلا مع ذي محرم ، كي لا تعصي الله من حيث تريد طاعته ، وكي لا يغدو العلم الشرعي وبالا عليها يوم القيامة ، وانظر في موقعنا الفتوى رقم : (82392) . ثانيا : أما مخالطة الرجال والنظر المتبادل بين الجنسين فكان السلف الصالح من الفقهاء والمحدثين أبعد الناس عنه ، تلتزم العالمة أو طالبة العلم في مسيرتها العلمية الحجاب الكامل الذي يشمل الوجه والكفين ، أو حتى تلتزم السماع والتحديث من وراء الستر والحجاب ، اقتداء بأمهات المؤمنين رضي الله عنهن ؛ فقد أخذ التابعون عن أمهات المؤمنين جميع ما رووه من مئات الأحاديث من وراء حجاب ، استجابة لقول الله عز وجل : ( وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ ) الأحزاب/54. ولم يكن هذا الحكم مختصا بأمهات المؤمنين كما يقول العلامة الأمين الشنقيطي رحمه الله : " تعليله تعالى لهذا الحكم - الذي هو إيجاب الحجاب - بكونه أطهر لقلوب الرجال والنساء من الريبة قرينة واضحة على إرادة تعميم الحكم ، إذ لم يقل أحد من جميع المسلمين إن غير أزواج النبي صلى الله عليه وسلم لا حاجة إلى أطهرية قلوبهن وقلوب الرجال من الريبة منهن " انتهى من " أضواء البيان " (6/242) . وقد سبق تقرير ذلك في موقعنا في فتاوى عديدة ، منها : (46921) . ثالثا : وهكذا تجد في كتب التراجم العديد من المواقف التي ينص فيها على كون السماع من وراء ستر وحجاب ، استجابة لأمر الله عز وجل ، فقد قال المحدثون في الجواب عن إنكار من أنكر سماع محمد بن إسحاق من فاطمة زوجة هشام بن عروة : " جائز أن يكون سمع منها وبينهما حجاب في غيبة زوجها ، قال الذهبي : ذاك الظن بهما ، كما أخذ خلق من التابعين عن الصحابيات ، مع جواز أن يكون دخل عليها ورآها وهو صبي فحفظ عنها ، مع احتمال أن يكون أخذ عنها حين كبرت وعجزت ، وكذا ينبغي ، فإنها أكبر من هشام بأزيد من عشر سنين " انتهى من "سير أعلام النبلاء" (7/42) وفي " مسند الإمام أحمد " (33/401) : " جاء قوم من أصحاب الحديث فاستأذنوا على أبي الأشهب فأذن لهم ، فقالوا : حدثنا ، قال : سلوا، فقالوا : ما معنا شيء نسألك عنه ، فقالت ابنته من وراء الستر : سلوه عن حديث عرفجة بن أسعد أصيب أنفه يوم الكلاب " انتهى. " وكذلك ما روي عن الإمام مالك رحمه الله حين كان يقرأ عليه " الموطأ " فإن لحن القارئ في حرف أو زاد أو نقص تدق ابنته الباب ، فيقول أبوها للقارئ : ارجع فالغلط معك ، فيرجع القارئ فيجد الغلط " كما في " المدخل " لابن الحاج (1/215) . وقد جاء في " الضوء اللامع لأهل القرن التاسع " (12/ 22) في ترجمة حليمة ابنة أبي علي المزملاتي أنها " سَمِعت من وَرَاء حجاب ثمانيات النجيب على الْجمال الْحَنْبَلِيّ " . وهكذا يمكننا تأكيد أن مسيرة المرأة في طلب العلم الشرعي كانت مثالا على الالتزام بالآداب الشرعية ، كما كانت نموذجا مثاليا أيضا في التضحية في سبيل العلم ، وتحقيق الإنجاز الرفيع حتى سطرت كتب التاريخ مئات الأسماء من النساء خالدات الذكر في الدنيا ، ممن أسهمن في بناء التاريخ الإسلامي المشرق . للاطلاع على ذلك ننصح بقراءة المراجع الآتية : 1. عناية النساء بالحديث الشريف: مشهور حسن سلمان . 2. جهود المرأة في نشر الحديث وعلومه : عفاف عبدالغفور . 3. صفحات مشرقة من عناية المرأة بصحيح البخاري" محمد بن عزوز . 4. دور المرأة في خدمة الحديث في القرون الثلاثة الأولى : آمال بنت قرداش صدر ضمن سلسلة كتاب الأمة عن وزارة الأوقاف- قطر، عدد70 . 5. جهود المرأة الدمشقية في رواية الحديث الشريف : محمد بن عزوز . 6. أعلام النساء : عمر رضا كحالة . 7. مقدمة محمد بن عزوز لتحقيق كتاب " ترقية المريدين بما تضمنته سيرة السيدة الوالدة من أحوال العارفين " للحافظ عبد الحي الكتاني . 8. فصل بعنوان " صور من سيرة المسلمة العالمة " من كتاب " عودة الحجاب " (2/580) . 9. نساء صنعن علماء : أم إسراء بنت عرفة بيومي . 10. جامع أخبار النساء من سير أعلام النبلاء : خالد بن حسين . والله أعلم .
فتاوى أخرى من مكتبتنا في الموضوع نفسه