هذا الموقع قيد المراجعة، لا تعتمد عليه في الأحكام النهائية.
السؤال
أنا أسكن في حي سكني تابع للدولة ، ويسكن هذا الحي موظفو الدولة ، ويقوم بعض الموظفين ببيع هذه الدور فيما بينهم ؟ وأحيانا يشتري البيت شخص ليس بموظف ؛ فهل هذا يجوز؟
الجواب
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
لهذه المسألة ثلاث صور : الأولى : أن تعطيهم الدولة هذه البيوت للانتفاع بها بالسكنى ، دون تميلك . ففي هذه الحال ، ليس لهم بيعها ، ولا تأجيرها ، لأنها ليست ملكاً لهم ، وليس لهم أن يسكنوا فيها من لا تجيز الدولة سكناه فيها ممن لا تتوافر فيهم الشروط . قال الشيخ ابن باز : " أما البيوت التي أعدتها الدولة للسكن ، فلا يسكنها إلا بإذن الدولة ... ولا يسكنها إلا إذا توفرت فيه الشروط ، ولا يتساهل في خيانة الموظفين ". انتهى من "مجموع فتاوى ابن باز" (19/404) . وينظر : جواب السؤال (111335) . الثانية : أن تعطيها لهم على سبيل التمليك المطلق ، دون قيد ولا شرط . ففي هذه الحال يجوز لهم التصرف بها مطلقاً كما يشاءون : بيعاً ، وهبةً ، وإجارةً ، وغير ذلك ؛ لأنها ملكهم ، وللإنسان أن يتصرف في ملكه كما يشاء . الثالثة : أن تعطيها لهم على سبيل التمليك ، مع اشتراط عدم التصرف بها بيعاً أو هبةً إلا بإذنهم. فهذه الصورة محل خلاف بين العلماء :
فجمهور العلماء على أن هذا الشرط باطل ، لا يلزم الوفاء به ؛ لأنه مخالف لمقتضى عقد البيع ، إذ مقتضى البيع والتمليك : أن المالك يبيع ملكه على من شاء. وذهب بعض العلماء إلى أن هذا الشرط صحيح ، إذا ترتب عليه تحقيق غرض مقصود للبائع ، وهذا هو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية . قال شيخ الإسلام: " وَأُصُولُ أَحْمَد وَنُصُوصُهُ تَقْتَضِي جَوَازَ شَرْطِ كُلِّ تَصَرُّفٍ فِيهِ مَقْصُودٌ صَحِيحٌ ، وَإِنْ كَانَ فِيهِ مَنْعٌ مِنْ غَيْرِهِ ". انتهى من "مجموع الفتاوى" (29/ 169). وقال : " وَكَذَلِكَ جَوَّزَ أَنْ يَشْتَرِطَ بَائِعُ الْجَارِيَةِ وَنَحْوِهَا عَلَى الْمُشْتَرِي أَنَّهُ لَا يَبِيعُهَا لِغَيْرِ الْبَائِعِ ، وَأَنَّ الْبَائِعَ يَأْخُذُهَا إذَا أَرَادَ الْمُشْتَرِي بَيْعَهَا بِالثَّمَنِ الْأَوَّلِ ، كَمَا رَوَوْهُ عَنْ عُمَرَ وَابْنِ مَسْعُودٍ وَامْرَأَتِهِ زَيْنَبَ ". انتهى من "مجموع الفتاوى" (29/170). وقال : " وَعَلَى هَذَا فَمَنْ قَالَ : هَذَا الشَّرْطُ يُنَافِي مُقْتَضَى الْعَقْدِ ، قِيلَ لَهُ : يُنَافِي مُقْتَضَى الْعَقْدِ الْمُطْلَقِ ، أَوْ مُقْتَضَى الْعَقْدِ مُطْلَقًا؟ فَإِنْ أَرَادَ الْأَوَّلَ: فَكُلُّ شَرْطٍ كَذَلِكَ. وَإِنْ أَرَادَ الثَّانِيَ: لَمْ يُسَلَّمْ لَهُ ؛ وَإِنَّمَا الْمَحْذُورُ: أَنْ يُنَافِيَ مَقْصُودَ الْعَقْدِ ، كَاشْتِرَاطِ الطَّلَاقِ فِي النِّكَاحِ ، أَوْ اشْتِرَاطِ الْفَسْخِ فِي الْعَقْدِ. فَأَمَّا إذَا شَرَطَ مَا يُقْصَدُ بِالْعَقْدِ : لَمْ يُنَافِ مَقْصُودَهُ ، هَذَا الْقَوْلُ هُوَ الصَّحِيحُ ، بِدَلَالَةِ الْكِتَابِ ، وَالسُّنَّةِ ، وَالْإِجْمَاعِ ، وَالِاعْتِبَارِ ، مَعَ الِاسْتِصْحَابِ ، وَعَدَمِ الدَّلِيلِ الْمُنَافِي". انتهى من "مجموع الفتاوى" (29/137) .
وما ذهب إليه شيخ الإسلام قول وجيه ، وهو اختيار الشيخ ابن عثيمين أيضاً ، حيث قال : " الصحيح أن في ذلك تفصيلاً ، وهو إن كان شرط عدم البيع لمصلحة تتعلق بالعاقد أو بالمعقود عليه ، فإن الصحيح صحة ذلك ". انتهى من "الشرح الممتع" (8/ 243).
والحاصل : أنه لا يجوز لهم بيع هذه المساكن إذا أعطيت لهم على سبيل الانتفاع بها ، أو بيعت لهم مع شرط عدم بيعها لغيرهم . والله أعلم .
فتاوى أخرى من مكتبتنا في الموضوع نفسه