هذا الموقع قيد المراجعة، لا تعتمد عليه في الأحكام النهائية.
السؤال
أعرف أنه يجب حب رسول الله أكثر من حب الوالدين والأولاد والزوجة ، وبفضل الله رسول الله إلي أحب إلي من كل ما في الدنيا ، ولكن بالنسبة للخلفاء الراشدين هل يجب محبتهم أكثر من الأولاد والأهل ؛ لأني أحب أبا بكر الصديق أكثر من كل ما في الدنيا بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأجيبوني ؟
الجواب
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
حب الصحابة – على وجه الإجمال – واجب من واجبات الدين ، وواحد من أعظم الأعمال عند الله تعالى ، دل على ذلك أدلة شرعية عدة ، منها : أولا : عن البراء بن عازب رضي الله عنه قال سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول : ( الأَنْصَارُ لاَ يُحِبُّهُمْ إِلَّا مُؤْمِنٌ ، وَلاَ يُبْغِضُهُمْ إِلَّا مُنَافِقٌ ، فَمَنْ أَحَبَّهُمْ أَحَبَّهُ اللَّهُ ، وَمَنْ أَبْغَضَهُمْ أَبْغَضَهُ اللَّهُ ) رواه البخاري (3783)، ومسلم (75) ثانيا : عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال : ( وَالَّذِي فَلَقَ الْحَبَّةَ ، وَبَرَأَ النَّسَمَةَ ، إِنَّهُ لَعَهْدُ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَيَّ : أَنْ لَا يُحِبَّنِي إِلَّا مُؤْمِنٌ ، وَلَا يُبْغِضَنِي إِلَّا مُنَافِقٌ ) رواه مسلم (78) سئل الحسن البصري رحمه الله تعالى : حب أبي بكر وعمر رضي الله عنهما سنة ؟ قال : " لا ، فريضة " انتهى رواه اللالكائي في " شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة " (7/1312) وقال الطحاوي رحمه الله تعالى : " ونحب أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولا نفرط في حب أحد منهم ، ولا نتبرأ من أحد منهم ، ونبغض من يبغضهم ، وبغير الخير يذكرهم ، ولا نذكرهم إلا بخير ، وحبهم دين وإيمان وإحسان ، وبغضهم كفر ونفاق وطغيان " وجاء في " الاعتقاد القادري " (ص/248) – وهو الاعتقاد الذي جمع الخليفةُ العباسي القادر بالله (ت422هـ) العلماء والناسَ عليه -: " يجب أن يحبّ الصحابة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم كلهم ، ونعلم أنهم خير الخلق بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم " انتهى. كما نقل الحافظ ابن حجر رحمه الله عن أحد علماء الجرح والتعديل – اسمه أبو العرب الصقلي – رده على من قال : لا أحب علي بن أبي طالب فقال : " من لم يحب الصحابة فليس بثقة ولا كرامة " انتهى من " تهذيب التهذيب " (1/236)
ويمكن أن نفسر الحب الواجب بأنه الحب لأجل صحبتهم ونصرتهم للنبي صلى الله عليه وسلم ، فمن عرف مواقفهم وتبين له عظيم مآثرهم في نصرة الإسلام والمسلمين ، وأدرك حب نبينا صلى الله عليه وسلم لهم ثم لم يحبهم لأجل ذلك فقد ترك واجبا من واجبات الدين ، ونقص إيمانه بقدر ذلك ، فقد رُوي في حديث عبد الله بن مغفل أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( اللَّهَ اللَّهَ فِي أَصْحَابِي ، لاَ تَتَّخِذُوهُمْ غَرَضًا بَعْدِي ، فَمَنْ أَحَبَّهُمْ فَبِحُبِّي أَحَبَّهُمْ ، وَمَنْ أَبْغَضَهُمْ فَبِبُغْضِي أَبْغَضَهُمْ ، وَمَنْ آذَاهُمْ فَقَدْ آذَانِي ، وَمَنْ آذَانِي فَقَدْ آذَى اللَّهَ ، وَمَنْ آذَى اللَّهَ فَيُوشِكُ أَنْ يَأْخُذَهُ ) رواه الترمذي (3862) وضعفه بقوله : غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه ، وضعفه الألباني في " ضعيف الترمذي " فإذا أبغضهم لأجل ذلك فقد وقع في الكفر والنفاق والعياذ بالله ، أما إذا أبغضهم لأسباب دنيوية أخرى – من غير اجتهاد سائغ – فذلك فسق وعصيان . ولذلك قال مالك بن أنس رحمه الله : " كَانَ السَّلَفُ يُعَلِّمُونَ أَوْلَادَهُمْ حُبَّ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ كَمَا يُعَلِّمُونَ السُّورَةَ مِنَ الْقُرْآنِ " انتهى. رواه اللالكائي في " شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة " (7/1313) وقال أَيُّوبُ السَّخْتِيَانِيُّ رحمه الله : " مَنْ أَحَبَّ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ فَقَدْ أَقَامَ الدِّينَ ، وَمَنْ أَحَبَّ عُمَرَ فَقَدْ أَوْضَحَ السَّبِيلَ ، وَمَنْ أَحَبَّ عُثْمَانَ فَقَدِ اسْتَنَارَ بِنُورِ الدِّينِ ، وَمَنْ أَحَبَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالعُرْوَةَ الْوُثْقَى ، وَمَنْ قَالَ الْحُسْنَى فِي أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَدْ بَرِئَ مِنَ النِّفَاقِ " انتهى. رواه اللالكائي في " شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة " (7/1316)
وإذا تأمل العبد المنصف ما قدمه الخلفاء الراشدون لهذا الدين ، وعظيم منزلتهم عند رب العالمين وعند رسوله الكريم ، فسيكون ذلك سببا في حبه لهم وتعظيمه إياهم أكثر من أي شيء آخر ، بل أكثر من حبه نفسه وأهله وأبناءه ، حيث تصغر ذاته في ذواتهم الجليلة ، وتتضاءل مكانة كل شيء في قلبه دون مكانتهم ، ويعلم أن أكرم الخلق وحبيب الحق رسولنا محمد صلى الله عليه وسلم توفي وهو عنهم راض ، وعلق حبه بحبهم ، فلا شك أن ذلك سيبعث في قلبه حبا لهم لا يدانيه حب ولا تقدير ، وإذا رأينا في الدنيا من يقدم محبوبه من ولد أو زوجة أو صديق على نفسه ، فيضحي في سبيل سعادة محبوبه بماله أو بروحه ، أفلا يكون ذلك دافعا لتقديم حب الخلفاء الراشدين على النفس والأهل والناس أجمعين .
ولكننا مع ذلك نقول : من لم تنبعث في نفسه هذه المشاعر ، بسبب قلة العلم ، أو ضعف اليقين ، أو غير ذلك من العوارض التي تقطع السبيل ، فلا نقول بإثمه ، ولا باستحقاقه العذاب عند الله ، وإنما يوجه بالنصح والتعليم والتذكير .
وللتوسع ينظر فصل وجوب محبة صحابة رسول الله ، في رسالة بعنوان " عقيدة أهل السنة والجماعة في الصحابة الكرام "، ناصر بن علي عائض حسن الشيخ (2/757-766) والله أعلم .
فتاوى أخرى من مكتبتنا في الموضوع نفسه