هذا الموقع قيد المراجعة، لا تعتمد عليه في الأحكام النهائية.
السؤال
اعتنقت الإسلام ثم انحرفت ، وفي فترة انحرافي كنت أسرق بعض المشروبات الكحولية من أحد المتاجر الحكومية ، وكنت أجري بعض المكالمات الدولية خلسة دون أن أدفع مقابلاً ، ثم بعد ذلك تبت . أنا أعلم أن التوبة تمحو ما قبلها لكني سمعت أن الوضع يختلف عندما يتعلق الأمر بالديون وحقوق الآخرين ، فبماذا توجهونني ؟ .
الجواب
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
أولاً: نسأل الله تعالى أن يمنَّ عليك بالهداية ، وأن يثبتك على طاعته ، وأن يصلح أقوالك وأعمالك وأخلاقك . وقد صدقتَ في قولك إن التوبة تُذهب آثار الذنوب ، وأن ذلك لا ينطبق على ما كان توبة من حقوقٍ للآخرين ولو كانوا كفاراً ، فيجب على التائب من ذلك أن يرد الحقوق لأهلها ؛ لتتم توبته ويَذهب أثر ذنبه بالكلية ، ورد الحقوق إلى أهلها لا يلزم منه أن يكشف نفسه لصاحب الحق ، والمهم أن يتم رد الحق لأهله ، وليختر من الطرق أيسرها وأبعدها عن الإساءة إليه . وإذا لم يجد صاحب الحق ولم يجد ورثة له : فليتصدق بها عنه ؛ فإن الصدقة تنفع المسلم حيّاً وميتاً ، وتنفع الكافر إن كان حيّاً فقط ، وإن علِم التائبُ أن ذلك الكافر ميت : فليتخلص من ذلك المال الذي هو حق له في سبل الخير المختلفة . وانظر تفصيل هذه المسائل في أجوبة الأسئلة (47086 ) و (31234 ) و (7545 ) و (33858 ) .
ثانياً: الذي ينبغي التنبيه عليه هنا : أن الحقوق التي يجب ردها لأهلها لا تشمل ما هو محرَّم لذاته مما أهدرت الشريعة قيمته ، كالخمور ؛ فإنها محرَّمة لذاتها وقيمتها هدر ، فمن سرقها : فلا قطع عليه ولا ضمان . وعليه : فإننا نفرِّق بين سرقتك لزجاجات الخمر ، وبين سرقتك للمكالمات الدولية من غير دفع ثمنها . فالأولى : لا قطع فيها ولا ضمان ، وإنما الإثم على شرب المسكر . والثانية : تَضمن فيها قيمة المكالمات وتردها إلى أصحابها . والقول – في سرقة الخمر - بعدم القطع هو قول الجماهير والخلاف فيه ضعيف ، والقول بعدم الضمان هو قول الشافعية والحنابلة وأهل الظاهر ، وهو الراجح . قال ابن قدامة – رحمه الله - : لا يقطع في سرقة محرم كالخمر والخنزير والميتة ونحوها سواء سرقه من مسلم أو ذمي ، وبهذا قال الشافعي و أبو ثور وأصحاب الرأي ، وحكي عن عطاء أن سارق خمر الذمي يقطع وإن كان مسلماً لأنه مال لهم أشبه ما لو سرق دراهمهم . ولنا : أنها عين محرمة فلا يقطع بسرقتها كالخنزير ، ولأن ما لا يُقطع بسرقته من مال مسلم لا يقطع بسرقته من الذمي كالميتة والدم ، وما ذكروه ينتقض بالخنزير ولا اعتبار به ، فإن الاعتبار بحكم الإسلام وهو يجري عليهم دون أحكامهم . " المغني " ( 10 / 278 ) . وقال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله - : لا يُقطع بسرقة محرم كالخمر ؛ وذلك لأنه غير مال أصلاً ، فليس فيه ماليَّة إطلاقاً ، بخلاف آلة اللهو ففيها مالية ؛ لأنها لو غيرت عن آلة اللهو لأمكن أن ينتفع بها ، لكن الخمر لا يمكن أن ينتفع به أبداً ؛ لأنه حتى لو خلِّل فلا يجوز ، إلا إذا تخلل بنفسه ، وعليه : فلو سرق خمراً : فلا قطع عليه ؛ لأنه ليس بمال . " الشرح الممتع على زاد المستقنع " ( 14 / 333 ) . وبناء على ذلك : فلا يلزمك في توبتك من سرقة الخمر شيء لأصحابها .
وأما ثمن المكالمات الدولية : فإنه مما يجب عليك إرجاعه لأصحاب الحق فيه ، حكومة كانوا أو أفراداً ، ولتختر الطريقة المناسبة لذلك كأن تضع مالاً في حساب الدولة ، أو تشتري في مصلحة عامة ما يجب على الدولة شراؤه . وتجد ما يفعل التائب من ذنب إجراء مكالمات – تحديداً – وعدم دفع ثمنها لأصحابها في جواب السؤال رقم ( 99394 ) . والخلاصة : 1. باب التوبة مفتوح لكل المذنبين ، والسعيد من أدرك نفسه قبل فوات الأوان . 2. التوبة من الذنوب التي ليس فيها حقوق للآخرين تحتاج لاستغفار وندم وعزم على عدم العود لها والإكثار من الأعمال الصالحة . 3. الذنوب التي فيها حقوق للآخرين لا بدَّ من ردها لأهلها ، فإن لم يوجدوا : فلأحد ورثتهم ، فإن لم يوجدوا : تُصدق بها عن المسلم – حيّاً أو ميتاً – وعن الكافر – فقط حيّاً - . 4. وإذا كان الحق لكافر ميت : فيتخلص التائب من حقه بوضعه في وجوه الخير المختلفة . 5. إذا كان المال المسروق لكافر أو مسلم ، مما أهدرت الشريعة قيمته ولا نفع فيها - كثمن الخمر - : فإنه لا يبذل التائب ثمنه لهما ؛ لأن ماليتها مهدرة ، وأما المحرَّم الذي يوجد فيه نفع كخشب آلة العود أو ذهب الصليب : فإنه يضمن قيمة ما ينتفع به منه .
والله أعلم
فتاوى أخرى من مكتبتنا في الموضوع نفسه