هذا الموقع قيد المراجعة، لا تعتمد عليه في الأحكام النهائية.
السؤال
عندي إشكال عن قوم عاد ، فقد قال الله عنهم : ( وكانوا مستبصرين ) أي : عقلاء . وقال عنهم سبحانه أنهم قالوا : ( من أشد منا قوة ) كيف كانوا عقلاء وقالوا : مَن أشد منا قوة ، أولم يروا أن الله الذي خلقهم هو أشد منهم قوة ؟
الجواب
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
كلمة " مستبصرين " بمعنى " مبصرين "، والسين والتاء للتأكيد ، مثل : استجاب ، واستمسك ، واستكبر ، وهي كلمة تدل على حصول العلم والبيان لصاحبها ، وقد نص علماء اللغة على أن " المستبصر " هو : من تبين ما يأتيه من خير وشر . انظر: " مفردات ألفاظ القرآن " للراغب الأصفهاني (1/95)، " لسان العرب " لابن منظور (4/64) وقد وصف الله عز وجل في كتابه الحكيم قوم عاد وثمود بأنهم كانوا " مستبصرين "، وذلك في قوله عز وجل : ( وَعَادًا وَثَمُودَ وَقَدْ تَبَيَّنَ لَكُمْ مِنْ مَسَاكِنِهِمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَكَانُوا مُسْتَبْصِرِينَ ) العنكبوت/38.
ولكن أهل العلم اختلفوا في تحديد وجه استبصارهم ، والأمور التي أثبت الله لهم عز وجل العلم بها والتبصر فيها ، وذلك إلى أربعة أقوال : القول الأول : وهو الذي نص عليه أئمة المفسرين من الصحابة والتابعين ؛ أن معنى قوله عز وجل : (وَكَانُوا مُسْتَبْصِرِينَ ) أي : كانوا على بصيرة في دينهم ، وعلى علم بعقيدتهم ، ولم يكونوا جاهلين بمذاهبهم ، بل كانوا معجبين بما هم عليه ، يحسبون أنهم على الحق والصواب . يقول ابن عباس رضي الله عنه : " قوله : ( فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَكَانُوا مُسْتَبْصِرِينَ ) يقول : كانوا مستبصرين في دينهم " انتهى. ويقول مجاهد رحمه الله : " ( وكانُوا مُسْتَبْصِرِينَ ) في الضلالة " انتهى . وقال قتادة رحمه الله : " ( وكانُوا مسْتَبْصِرِينَ ) في ضلالتهم مُعْجَبين بها " انتهى. وهذا القول هو ما فسر به الآية الإمام ابن جرير الطبري في " جامع البيان " (20/35) – وقد أسند آثار السلف السابقة – ثم قال : " وكانوا مستبصرين في ضلالتهم ، مُعْجبين بها ، يحسبون أنهم على هدى وصواب ، وهم على الضلال " انتهى.
القول الثاني : ( وكانُوا مُسْتَبْصِرِينَ ) أي : كانوا على علم أن ما هم عليه باطل ، وأن الحق مع الرسل والأنبياء ، وكانوا على بصيرة بأنهم على الضلالة ، ولكنهم استحبوا الضلالة على الهدى . وهذا القول هو ترجيح الإمام القرطبي رحمه الله حيث يقول : " فيه قولان : أحدهما : وكانوا مستبصرين في الضلالة ، قاله مجاهد . والثاني : كانوا مستبصرين قد عرفوا الحق من الباطل بظهور البراهين . وهذا القول أشبه ، لأنه إنما يقال : " فلان مستبصر " إذا عرف الشيء على الحقيقة " انتهى. " الجامع لأحكام القرآن " (13/344) وهو القول الذي قرره العلامة ابن قيم الجوزية رحمه الله في أكثر من كتاب له . قال رحمه الله : " ردوا الهدى بعد ما تيقنوه وكانوا مستبصرين به ، قد ثَلِجَت له صدورهم ، واستيقنته أنفسهم ، فاختاروا عليه العمى والضلالة ، كما قال تعالى في وصفهم : ( وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى ) وقال : ( وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً ) أي : موجبة لهم التبصُّرَ واليقين ، وإن كان جميع الأمم المهلكة هذا شأنهم ، فإن الله لم يهلك أمة إلا بعد قيام الحجة عليها ، لكن خصت ثمود من ذلك الهدى والبصيرة بمزيد ، ولهذا لما قرنهم بقوم عاد قال : ( فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً ) ثم قال : ( وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى ) ولهذا أمكن عادا المكابرة وأن يقولوا لنبيهم ( مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍ ) ولم يمكن ذلك ثمود وقد رأوا البينة عيانا ، وصارت لهم بمنزلة رؤية الشمس والقمر ، فردوا الهدى بعد تيقنه والبصيرة التامة به " انتهى. " التبيان في أقسام القرآن " (ص/39) ط عالم الفوائد .
القول الثالث : ( وكانُوا مُسْتَبْصِرِينَ ) أي : في أمور الدنيا لا في أمور الدين ، فقد كانوا على علم بكثير من فنون العمارة والصناعة والزراعة وأنواع التجارة ، ولكنهم جاهلون في أمر آخرتهم.
قال العلامة محمد الأمين الشنقيطي رحمه الله : " الأظهر في قوله في هذه الآية : ( وكانُوا مُسْتَبْصِرِينَ ) أن استبصارهم المذكور هنا بالنسبة إلى الحياة الدنيا خاصة ; كما دل عليه قوله تعالى : ( يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا وهم عن الآخرة هم غافلون ) ، وقوله تعالى : ( وقالوا لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا في أصحاب السعير ) ، ونحو ذلك من الآيات " انتهى. " أضواء البيان " (6/160)
القول الرابع : ( وكانُوا مُسْتَبْصِرِينَ ) أي : كانوا عقلاء ذوي خبرة وتجربة عقلية مستبصرة ، ولكن عقولهم هذه لم ترشدهم إلى اتباع الحق والهدى ، نقل أهل العلم هذا القول عن الإمام الفراء ، وتابعه عليه بعض المفسرين . قال الزمخشري رحمه الله : " ( وَكَانُواْ مُسْتَبْصِرِينَ ) عقلاء متمكنين من النظر والافتكار ، ولكنهم لم يفعلوا . أو كانوا متبينين أن العذاب نازل بهم ؛ لأن الله تعالى قد بين لهم على ألسنة الرسل عليهم السلام ، ولكنهم لجوا حتى هلكوا " انتهى. " الكشاف " (3/458)، ومثله في " أنوار التنزيل " للبيضاوي (ص/316)
والاستشكال الوارد في السؤال إنما يتوجه إذا قيل بالقول الرابع ، أما إن رجحنا أحد الأقوال الثلاثة الأولى فلا يرد الإشكال أصلا ، والذي نميل إليه هو الأخذ بالقول الأول ، المستند إلى آثار الصحابة والتابعين رحمهم الله ، فهم أولى بالاتباع والاقتداء وتفسير القرآن على وجهه الذي أنزله الله عز وجل . والله أعلم .
فتاوى أخرى من مكتبتنا في الموضوع نفسه