هذا الموقع قيد المراجعة، لا تعتمد عليه في الأحكام النهائية.
السؤال
ما حكم قول : " لعمري " ، أو " لعمرك "، هل هي قسم بحيث القسم بغير الله شرك ، قال تعالى : ( لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ ) هل في الآية السابقة قسم ؟
الجواب
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
أولا : اختلف أهل العلم في حكم قول المسلم " لعمري "، أو " لعمرك "، وذلك على ثلاثة أقوال : القول الأول : الجواز ، وهو قول أكثر أهل العلم ، بل ما زال العلماء يستعملون هذه الكلمات في كتبهم وخطاباتهم . قال إسحاق الكوسج : " قلت - أي للإمام أحمد - : يكره لعمري ، ولعمرك ؟ قال : ما أعلم به بأساً " انتهى. " مسائل الكوسج " (2/214) والتوجيه الصحيح للقول بالجواز أن كلمة : " لعمري "، أو " لعمرك " وإن كانت في صيغتها وأصلها يمينا ، إلا أنها صارت من الكلمات الجارية على اللسان العربي ، ولا يراد بها حقيقة القسم بغير الله تعالى ، وهذا مشهور في لغة العرب ، حيث تشتمل على كثير من الكلمات التي لا يراد حقيقتها ، كمثل : تربت يمينك ، أو ثكلتك أمك ، أو نحو ذلك من العبارات التي ظاهرها الدعاء ولا يراد منها ذلك ، وقد أخرج الطبري بسند حسن في " جامع البيان " (17/118) عن قتادة قوله : ( لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ ) : هي كلمة من كلمات العرب . ( لفي سكرتهم ) : أي : في ضلالهم . يعمهون : أي : يلعبون . قال الشيخ بكر أبو زيد رحمه الله : " والتوجيه أن يقال : إن أراد القسم : مُنع . وإلا فلا ، كما يجري على اللسان من الكلام مما لا يراد به حقيقة معناه ، كقوله صلى الله عليه وسلم لعائشة رضي الله عنها : ( عَقْرَى حَلْقَى ) الحديث . والله أعلم " انتهى. " معجم المناهي اللفظية " (ص/471) وهذا التوجيه هو نفسه الذي يذكره العلماء في شرحهم لقول النبي صلى الله عليه وسلم : (أَفْلَحَ وَأَبِيهِ إِنْ صَدَقَ أَوْ دَخَلَ الْجَنَّةَ وَأَبِيهِ إِنْ صَدَقَ ) رواه مسلم (رقم/11)
ويمكن الاستدلال لهذا القول بأدلة كثيرة ، منها : 1- ثبوت هذا اللفظ من كلام النبي صلى الله عليه وسلم . عَنْ خَارِجَةَ بْنِ الصَّلْتِ عَنْ عَمِّهِ : أَنَّهُ مَرَّ بِقَوْمٍ ، فَأَتَوْهُ فَقَالُوا : إِنَّكَ جِئْتَ مِنْ عِنْدِ هَذَا الرَّجُلِ بِخَيْرٍ ، فَارْقِ لَنَا هَذَا الرَّجُلَ . فَأَتَوْهُ بِرَجُلٍ مَعْتُوهٍ فِي الْقُيُودِ ، فَرَقَاهُ بِأُمِّ الْقُرْآنِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ غُدْوَةً وَعَشِيَّةً ، وَكُلَّمَا خَتَمَهَا جَمَعَ بُزَاقَهُ ثُمَّ تَفَلَ ، فَكَأَنَّمَا أُنْشِطَ مِنْ عِقَالٍ ، فَأَعْطَوْهُ شَيْئًا ، فَأَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَذَكَرَهُ لَهُ ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( كُلْ فَلَعَمْرِي لَمَنْ أَكَلَ بِرُقْيَةٍ بَاطِلٍ لَقَدْ أَكَلْتَ بِرُقْيَةٍ حَقٍّ ) رواه أبو داود (رقم/3420) وصححه الشيخ الألباني في " صحيح أبي داود ". 2- كما ورد إقرار النبي صلى الله عليه وسلم لمن تكلم بهذه الكلمة . عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ عَنْ رَجُلٍ مِنْ بَنِي أَسَدٍ أَنَّهُ قَالَ :" نَزَلْتُ أَنَا وَأَهْلِي بِبَقِيعِ الْغَرْقَدِ ، فَقَالَ لِي أَهْلِي : اذْهَبْ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَسَلْهُ لَنَا شَيْئًا نَأْكُلُهُ . فَجَعَلُوا يَذْكُرُونَ مِنْ حَاجَتِهِمْ . فَذَهَبْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَوَجَدْتُ عِنْدَهُ رَجُلًا يَسْأَلُهُ ، وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : ( لَا أَجِدُ مَا أُعْطِيكَ)، فَتَوَلَّى الرَّجُلُ عَنْهُ وَهُوَ مُغْضَبٌ وَهُوَ يَقُولُ : لَعَمْرِي إِنَّكَ لَتُعْطِي مَنْ شِئْتَ . فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (يَغْضَبُ عَلَيَّ أَنْ لَا أَجِدَ مَا أُعْطِيهِ ، مَنْ سَأَلَ مِنْكُمْ وَلَهُ أُوقِيَّةٌ أَوْ عِدْلُهَا فَقَدْ سَأَلَ إِلْحَافًا). قَالَ الْأَسَدِيُّ : فَقُلْتُ : لَلِقْحَةٌ لَنَا خَيْرٌ مِنْ أُوقِيَّةٍ وَالْأُوقِيَّةُ أَرْبَعُونَ دِرْهَمًا . قَالَ : فَرَجَعْتُ وَلَمْ أَسْأَلْهُ ، فَقَدِمَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْدَ ذَلِكَ شَعِيرٌ وَزَبِيبٌ فَقَسَمَ لَنَا مِنْهُ أَوْ كَمَا قَالَ حَتَّى أَغْنَانَا اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ " . رواه أبو داود (رقم/1627)، وصححه الألباني في " صحيح أبي داود ". 3- وقد ثبت عن نحو سبعة من الصحابة أنهم قالوا في معرض كلامهم : " لعمري "، أو " لعمرك ". يقول الشيخ حماد الأنصاري رحمه الله : " صح عن بعض أصحابه رضي الله عنهم التفوه بها ، منهم : ابن عباس ، وعثمان ابن أبي العاص ، وعائشة أم المؤمنين ، وأسماء بنت أبي بكر الصديق ، وعمر بن الخطاب ، وأبوعبيدة ابن الجراح ، وغيرهم رضي الله عنهم ، وكذلك صح عن التابعين لهم بإحسان استعمالها ، منهم : عطاء ، وقتادة ، وغيرهما " انتهى. " الإعلان بأن لعمري ليست من الأيمان " – ضمن " رسائل في العقيدة " للشيخ حماد الأنصاري رحمه الله – (ص/113). ومن أحب الاطلاع على نصوص هذه الآثار فليرجع إلى رسالة الشيخ حماد رحمه الله .
القول الثاني : التحريم ؛ باعتبارها حلفا بغير الله . جاء في "مصنف ابن أبي شيبة " (3/79) : " حدثنا ابن مهدي ، عن أبي عوانة ، عن إسماعيل بن هشام ، عن القاسم بن مخيمرة ، قال : ما أبالي حلفت بحياة رجل أو بالصليب " انتهى. وجاء أيضا (3/80) : " حدثنا محمد بن فضيل ، عن العلاء ، عن أبيه قال : قال كعب : إنكم تشركون . قالوا : وكيف يا أبا إسحاق ؟ قال : يقول أحدكم : لا لعمري ، لا وحياتك " انتهى. يقول ابن العربي المالكي رحمه الله : " قدمنا أن الله تعالى يقسم بما شاء من خلقه . وليس لخلقه أن يقسموا إلا به ؛ لقوله صلى الله عليه وسلم : ( من كان حالفا فليحلف بالله أو ليصمت ) - متفق عليه -. فإن أقسم بغيره فإنه آثم ، أو قد أتى مكروها على قدر درجات القسم وحاله . وقد قال مالك : إن المستضعفين من الرجال والمؤنثين منهم يقسمون بحياتك وبعيشك ، وليس من كلام أهل الذكر . وإن كان الله أقسم به في هذه القصة ، فذلك بيان لشرف المنزلة وشرف المكانة ، فلا يحمل عليه سواه ، ولا يستعمل في غيره . وقال قتادة : هو من كلام العرب ، وبه أقول ؛ لكن الشرع قد قطعه في الاستعمال ، ورد القسم إليه . وقد بيناه في "الأصول" وفي "مسائل الخلاف" " انتهى. " أحكام القرآن " (3/89) ويقول العلامة محمد الأمين الشنقيطي رحمه الله – في تفسير قوله تعالى : ( لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ ) -: " قوله تعالى : ( لعمرك ) معناه : أقسم بحياتك ، والله جل وعلا له أن يقسم بما شاء من خلقه ، ولم يقسم في القرآن بحياة أحد إلا نبينا صلى الله عليه وسلم ، وفي ذلك من التشريف له صلى الله عليه وسلم ما لا يخفى . ولا يجوز لمخلوق أن يحلف بغير الله ، لقوله صلى الله عليه وسلم : ( من كان حالفا فليحلف بالله أو ليصمت ) ، وقوله : لعمرك ، مبتدأ خبره محذوف ، أي لعمرك قسمي " انتهى. " أضواء البيان " (2/189) .
القول الثالث : الكراهة ؛ لما يخشى أن يكون فيه شبه من الحلف بغير الله ، أو ذريعة للوقوع بذلك . جاء في " مصنف ابن أبي شيبة " (3/80) : " حدثنا وكيع ، عن الأعمش ، عن إبراهيم أنه كره أن يقول لعمري " انتهى. ورواه عبد الرزاق في " المصنف " (8/471) قال : " أخبرنا معمر ، عن مغيرة ، عن إبراهيم أنه كان يكره ( لعمرك )، ولا يرى بـ ( لعمري ) بأسا " انتهى. وقال إسحاق بن راهويه رحمه الله : " تركُه أسلم ؛ لما قال إبراهيم : ( كانوا يكرهون أن يقولوا : لعمر الله ) " انتهى. " مسائل الكوسج " (2/215) وقال القرطبي رحمه الله - في تفسيره عند قوله تعالى : ( لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ ) الحجر/72- : " كره كثير من العلماء أن يقول الإنسان : لعمري ؛ لأن معناه : وحياتي " انتهى باختصار. " الجامع لأحكام القرآن " (10/40)
والراجح من الأقوال السابقة هو القول الأول ؛ أن جريان مثل ذلك التعبير في الكلام لا حرج فيه ، وأنه لا يراد به حقيقة القسم ، لقوة أدلتهم ، وضعف أدلة الأقوال الأخرى .
ثانيا : قال ابن القيم رحمه الله تعالى – في تفسير قوله تعالى : ( لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ ) الحجر/72 -: " أكثر المفسرين من السلف والخلف ، بل لا يعرف عن السلف فيه نزاع ، أن هذا قسم من الله بحياة رسوله ، وهذا من أعظم فضائله ، أن يقسم الرب عز وجل بحياته ، وهذه مزية لا تعرف لغيره . ولم يوافق الزمخشري على ذلك ، فصرف القسم إلى أنه بحياة لوط ، وأنه من قول الملائكة فقال : هو على إرادة القول ، أي : قالت الملائكة للوط عليه الصلاة والسلام : لعمرك إنهم في سكرتهم يعمهون . وليس في اللفظ ما يدل على واحد من الأمرين ، بل ظاهر اللفظ وسياقه إنما يدل على ما فهمه السلف ، لا أهل التعطيل والاعتزال . قال ابن عباس رضي الله عنهما : ( لعمرك ) أي : وحياتك . قال : وما أقسم الله تعالى بحياة نبي غيره " انتهى. " التبيان في أقسام القرآن " (ص/429) .
وكون ذلك قسما من الله تعالى بنبيه صلى الله عليه وسلم ، لا يشكل على ما تقرر من تحريم الحلف بغير الله تعالى ؛ فإن ذلك التحريم إنما هو في حق العباد ؛ وأما الله جل جلاله فهو يقسم من خلقه بما شاء ، سبحانه ، كما مر ذلك في كلام غير واحد من أهل العلم . قال الشوكاني رحمه الله : " وقد كره كثير من العلماء القسم بغير الله سبحانه ، وجاءت بذلك الأحاديث الصحيحة في النهي عن القسم بغير الله ، فليس لعباده أن يقسموا بغيره . وهو سبحانه يقسم بما شاء من مخلوقاته لاَ يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْئَلُونَ الأنبياء/23 " انتهى من "فتح القدير" (4/189) . وقال الشيخ سليمان بن عبد الله بن عبد الوهاب ، رحمه الله : " قوله : ( فلا أقسم بمواقع النجوم ) : هذا قسم من الله عز و جل ، يقسم بما شاء من خلقه ؛ وهو دليل على عظمة المقسم به وتشريفه " . انتهى من "تيسير العزيز الحميد" (405) . والله أعلم
فتاوى أخرى من مكتبتنا في الموضوع نفسه