هذا الموقع قيد المراجعة، لا تعتمد عليه في الأحكام النهائية.
السؤال
روي عن النبي صلى الله عليه وسلم قوله: "إن نزلتم بقوم فأمروا لكم بما ينبغي للضيف فاقبلوا ، فإن لم يفعلوا فخذوا منهم حق الضيف الذي ينبغي لهم" . ( صحيح الجامع الصغير 1441) ولدى سؤالان : 1) ما هي حقوق الضيف ؟. 2) إذا تم حرمان الضيف من هذه الحقوق فما هي الوسائل المشروعة لأخذ هذه الحقوق ؟ وأعني إلى أي حد يمكن للمرء المطالبة بحقوقه ؟.
الجواب
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
أولا : الضيافة من آداب الإسلام ، وخلق النبيين والصالحين ، وأمارة من أمارات صدق الإيمان . ويكون الأدب مع الضيف بإكرامه بطلاقة الوجه ، وحسن اللقاء ، وطيب الكلام ، والإطعام ونحو ذلك ، مما جرى العرف عليه . ويقدم له في أول يوم ينزله عنده أحسن ما يأكل منه هو وعياله ، ويجتهد في إتحافه ، وتقديم أحسن ما يجده له . روى البخاري (6019) ومسلم (48) عَنْ أَبِي شُرَيْحٍ الْعَدَوِيِّ رضي الله عنه قَالَ : سَمِعَتْ أُذُنَايَ وَأَبْصَرَتْ عَيْنَايَ حِينَ تَكَلَّمَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : ( مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيُكْرِمْ جَارَهُ ، وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ جَائِزَتَهُ ) قَالَ : وَمَا جَائِزَتُهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قَالَ : ( يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ ، وَالضِّيَافَةُ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ ، فَمَا كَانَ وَرَاءَ ذَلِكَ فَهُوَ صَدَقَةٌ عَلَيْهِ ، وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَصْمُتْ ) . قال الحافظ رحمه الله : " قَالَ الْخَطَّابِيُّ : مَعْنَاهُ أَنَّهُ إِذَا نَزَلَ بِهِ الضَّيْف أَنْ يُتْحِفهُ ، وَيَزِيدهُ فِي الْبِرّ عَلَى مَا بِحَضْرَتِهِ يَوْمًا وَلَيْلَة , وفي الْيَوْمَيْنِ الْأَخِيرَيْنِ يُقَدِّم لَهُ مَا يَحْضُرهُ , فَإِذَا مَضَى الثَّلَاث فَقَدْ قَضَى حَقّه ، فَمَا زَادَ عَلَيْهِ مِمَّا يُقَدِّمهُ لَهُ يَكُون صَدَقَة " انتهى .
ثانيا : ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ إِلَى أَنَّ الضِّيَافَةَ سُنَّةٌ ، وَمُدَّتُهَا ثَلاَثَةُ أَيَّامٍ ، وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ . وَالرِّوَايَةُ الأُْخْرَى عَنْ أَحْمَدَ - وَهِيَ الْمَذْهَبُ - أَنَّهَا وَاجِبَةٌ ، وَمُدَّتُهَا يَوْمٌ لَيْلَةٌ ، وَالْكَمَال ثَلاَثَةُ أَيَّامٍ . وَبِهَذَا يَقُول اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ . "الموسوعة الفقهية" (28 / 316-317) والقول بوجوب ضيافة يوم وليلة هو الراجح . قال ابن قدامة رحمه الله : " والواجب يوم وليلة ، والكمال ثلاثة أيام " انتهى . وقال ابن القيم رحمه الله : " إن للضيف حقّاً على مَن نزل به ، وهو ثلاث مراتب : حق واجب ، وتمام مستحب ، وصدقة من الصدقات ، فالحق الواجب : يوم وليلة , وقد ذكر النبي صلى الله عليه وسلم المراتب الثلاثة في الحديث المتفق على صحته من حديث أبي شريح الخزاعي " انتهى . "زاد المعاد" (3/658) . وقال الشوكاني رحمه الله : " والحق وجوب الضيافة لأمور : الأول : إباحة العقوبة بأخذ المال لمن ترك ذلك ، وهذا لا يكون في غير واجب . والثاني : التأكد البالغ بجعل ذلك فرع الإيمان بالله واليوم الآخر يفيد أن فعل خلافه فعل من لا يؤمن بالله واليوم الآخر ، ومعلوم أن فروع الإيمان مأمور بها ، ثم تعليق ذلك بالإكرام وهو أخص من الضيافة فهو دال على لزومها بالأولي . والثالث : قوله : ( فما كان وراء ذلك فهو صدقة ) فإنه صريح في أن ما قبل ذلك غير صدقة بل واجب شرعا . قال الخطابي : يريد أن يتكلف له في اليوم الأول ما اتسع له من بر وألطاف ، ويقدم له في اليوم الثاني ما كان بحضرته ولا يزيد على عادته ، فما جاوز الثلاث فهو معروف وصدقة إن شاء فعل وإن شاء ترك " انتهى . "نيل الأوطار" (9 / 30) .
ثالثا : الضيف المقصود بالإكرام هو المسافر الذي يجتاز بغيره في الطريق ، وليس المراد به من كان من أهل البلد ، فذهب إلى بيت صاحبه . واختلف أهل العلم القائلون بوجوب الضيافة ، هل هذا الوجوب على كل أحد ، أو هو خاص بحال دون حال . قال ابن رجب رحمه الله : " وقال حُميدُ بن زَنجويه : ليلةُ الضَّيف واجبةٌ ، وليس له أنْ يأخذَ قِراه منهم قهراً ، إلاَّ أنْ يكونَ مسافراً في مصالح المسلمين العامَّة دونَ مصلحة نفسه ... ونقل عليُّ بن سعيدٍ ، عن أحمدَ ما يدلُّ على وجوب الضيافة للغُزاة خاصَّةً بمن مرُّوا بهم ثلاثةَ أيَّامٍ ، والمشهور عنه الأولُ ، وهو وجوبُها لكلِّ ضيفٍ نزلَ بقومٍ . واختلف قوله : هل تجبُ على أهلِ الأمصار والقُرى ، أم تختصُّ بأهلِ القُرى ومَنْ كان على طريقٍ يمرُّ بهم المسافرون ؟ على روايتين منصوصتين عنه "انتهى من "جامع العلوم" (142). وينظر جواب السؤال رقم : (128791) .
ثالثا : إذا ترك المضيف حق ضيفه عليه ، فلم يقدم له ما يحتاجه ، فهل له أن يأخذ بقدر ضيافته بالمعروف ، ولو لم يأذنوا به ؟ إلى ذلك ذهب بعض أهل العلم القائلين بوجوب الضيافة ، وهي إحدى الروايتين عن الإمام أحمد ؛ لأن الشرع قد جعل ذلك حقا له ، فإن لم يعطه المضيف طوعا ، كان له أن يأخذه قهرا ؛ إما بنفسه ، أو عن طريق القضاء . لما رواه أبو داود (3804) عَنْ الْمِقْدَامِ بْنِ مَعْدِي كَرِبَ رضي الله عنه عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ( وَأَيُّمَا رَجُلٍ ضَافَ قَوْمًا فَلَمْ يَقْرُوهُ فَإِنَّ لَهُ أَنْ يُعْقِبَهُمْ بِمِثْلِ قِرَاهُ ) وروى الإمام أحمد (8725) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ( أَيُّمَا ضَيْفٍ نَزَلَ بِقَوْمٍ فَأَصْبَحَ الضَّيْفُ مَحْرُومًا فَلَهُ أَنْ يَأْخُذَ بِقَدْرِ قِرَاهُ وَلَا حَرَجَ عَلَيْهِ ) . صححه الألباني في "الصحيحة" (640) . وروى البخاري (6137) ومسلم (1727) عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ : قُلْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّكَ تَبْعَثُنَا فَنَنْزِلُ بِقَوْمٍ فَلَا يَقْرُونَنَا فَمَا تَرَى ؟ فَقَالَ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( إِنْ نَزَلْتُمْ بِقَوْمٍ فَأَمَرُوا لَكُمْ بِمَا يَنْبَغِي لِلضَّيْفِ فَاقْبَلُوا ، فَإِنْ لَمْ يَفْعَلُوا فَخُذُوا مِنْهُمْ حَقَّ الضَّيْفِ الَّذِي يَنْبَغِي لَهُمْ ) . قال الإمام أحمد رحمه الله : " يعني أن يأخذ من أرضهم وزرعهم وضرعهم بقدر ما يكفيه بغير إذنهم " انتهى . من "المغني" (9/343) . وقال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله : " الضيف إذا نزل بشخص وامتنع من ضيافته فإن للضيف أن يأخذ من ماله ما يكفيه لضيافته بالمعروف من غير علمه ؛ لأن الحق في هذا ظاهر ؛ فإن الضيف إذا نزل بالشخص يجب عليه أن يضيفه يوما وليلة حقاً واجباً ، لا يحل له أن يتخلف عنه " انتهى . "فتاوى نور على الدرب" (234 / 8) .
وذهب جمهور العلماء إلى أن الضيف لا يحل له أن يأخذ من مال مضيفه شيئا بغير إذنه ، حتى ولو يقدم له ما ينبغي في ضيافته ، أو لم يضفه أصلا ؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم : ( لَا يَحِلُّ مَالُ امْرِئٍ إِلَّا بِطِيبِ نَفْسٍ مِنْهُ ) رواه أحمد (20172) وصححه الألباني . وهذا ظاهر على مذهب الجمهور الذين يرون الضيافة مكرمة ومستحبة ، ولا يرون وجوبها من حيث الأصل . قال ابن عبد البر رحمه الله : "وقد روى الربيع عن الشافعي أنه قال : الضيافة على أهل البادية والحاضرة حق واجب في مكارم الأخلاق ، وقال مالك : ليس على أهل الحضر ضيافة . وقال سحنون إنما الضيافة على أهل القرى وأما الحضر فالفندق ينزل فيه المسافر" انتهى . من التمهيد(21/43) .
وأما على مذهب الإمام أحمد في وجوب الضيافة ، فقد سبق النقل ـ في رواية عنه ـ أن ذلك خاص بالغزاة في سبيل الله فقط ، وأما غيرهم فلا يأخذ إلا ما أعطاه المضيف . قال ابن قدامة رحمه الله : " قَالَ الْأَثْرَمُ : سَمِعْت أَبَا عَبْدِ اللَّهِ يُسْأَلُ عَنْ الضِّيَافَةِ , أَيَّ شَيْءٍ تَذْهَبُ فِيهَا ؟ قَالَ هِيَ مُؤَكَّدَةٌ , وَكَأَنَّهَا عَلَى أَهْلِ الطُّرُقِ وَالْقُرَى الَّذِينَ يَمُرُّ بِهِمْ النَّاسُ أَوْكَدُ , فَأَمَّا مِثْلُنَا الْآنَ , فَكَأَنَّهُ لَيْسَ مِثْلَ أُولَئِكَ " انتهى . من "المغني" (9/343) .
والخلاصة : أنه حق الضيف واجب في الأظهر ، على ما سبق ، وأما إذا امتنع مضيفه من حقه ، فقد اختلف أهل العلم : هل له أن يأخذ حقه منه قهرا ، كما هو ظاهر الأحاديث السابقة ، أو لا يحل له ذلك ؟ والأحوط ألا يأخذ شيئا منه قهرا ، لقوة الخلاف فيه ، واحتمال خصوصية الأخذ قهرا ببعض الأحوال ، كالمضطر إلى الضيافة ، أو نحو ذلك . وينظر : "فتح الباري" ، لابن حجر (5/108) ، "استيفاء الحقوق من غير قضاء" للدكتور فهد اليحي (148-153) . والله أعلم .
فتاوى أخرى من مكتبتنا في الموضوع نفسه