هذا الموقع قيد المراجعة، لا تعتمد عليه في الأحكام النهائية.
السؤال
من عبدالعزيز بن عبدالله بن باز، إلى حضرة الأخ المكرم سلامٌ عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد: فأشير إلى استفتائك المقيد بإدارة البحوث العلمية والإفتاء برقم: 3137، في 11/7/1408هـ، الذي نصه: لقد كنا في حلقة تفسير في مسجد بمنطقة (الصليبية) في الكويت، وقد تعرض إمام المسجد إلى تفسير قوله تعالى: يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ[الفتح:10] فقال: قيل معناها: منة الله عليهم، وقيل: قوة الله معهم، وقيل: الله عليم بحالهم ونياتهم.
فتكلم أحد الشباب من إخواننا في الله بعد الدرس، وقال: تفسيرك هذا ليس من عقيدة أهل السنة والجماعة، بل هو من كلام الأشاعرة؛ فغضب الإمام وقال: إن هذا موجود في كتاب الماوردي وابن كثير، فرد الشاب وقال: ليس هذا في ابن كثير وإنما هو عند الماوردي الأشعري.
فلما رأى العامة الشيخ غضبان غضبوا له، ورمى بعضهم الشاب بكلمة (أنت مسيحي) (أنت بوذي)، وكادوا أن يضربوه لولا أن بعضهم حماه. والله يعلم أن هذا الشاب لم يتكلم إلا غيرة على عقيدة المسلمين، ومن باب أنه لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة، فأشار الشاب أن يقضي فضيلتكم بينهم، فوافق العوام على ذلك، فأفيدونا، ونحن بانتظار ردكم -وجزاكم الله عنا وعن المسلمين خير الجزاء-.
الجواب
وأفيدك أن ما نعتقده في إثبات صفة اليد لله تبارك وتعالى وغيرها في الصفات التي وصف الله بها نفسه في كتابه العزيز، أو وصفه بها رسوله محمد ﷺ في سنته المطهرة هو: إثباتها لله تبارك وتعالى إثباتًا حقيقيًا على ما يليق بجلال الله سبحانه من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تكييف ولا تمثيل، ونؤمن بأن الله ليس كمثله شيء، وهو السميع البصير. فلا ننفي عنه ما وصف به نفسه، ولا نحرف الكلم عن مواضعه، ولا نكيف ولا نمثل صفاته بصفات خلقه؛ لأنه سبحانه لا سميَّ له، ولا كفؤ له، ولا ند له، ولا يقاس بخلقه . فكما أن له سبحانه ذاتًا حقيقية لا تشبه ذوات خلقه، فكذلك له صفات حقيقية لا تشبه صفات خلقه، ولا يلزم من إثبات الصفة للخالق سبحانه مشابهتها لصفة المخلوق، وهذا هو مذهب سلف الأمة من الصحابة والتابعين، ومن سار على نهجهم في القرون الثلاثة المفضلة، ومن سلك سبيلهم من الخلف إلى يومنا هذا. قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "حكى غير واحد إجماع السلف: أن صفات الباري جل وعلا تجري على ظاهرها، مع نفي الكيفية والتشبيه عنه، وذلك أن الكلام في الصفات فرع عن الكلام في الذات، يحتذى حذوه ويتبع فيه مثاله؛ فإذا كان إثبات الذات إثبات وجود لا إثبات كيفية، فكذلك إثبات الصفات إثبات وجود لا إثبات كيفية، فنقول: إن لله سبحانه يدًا وسمعًا، ولا نقول: إن معنى اليد القدرة، ومعنى السمع العلم".
ثم استدل رحمه الله على إثبات صفة اليد لله سبحانه من القرآن بقول الله سبحانه: وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُواْ بِمَا قَالُواْ بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيْفَ يَشَاء [المائدة:64]، وقال تعالى لإبليس: مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ [ص:75]، وقال سبحانه: وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ [الزمر:67]، وقال تعالى: تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ
وفي حديث آخر في السنن: لما خلق الله آدم ومسح ظهره بيمينه فاستخرج منه ذريته، فقال: (خلقت هؤلاء للجنة، وبعمل أهل الجنة يعملون، ثم مسح ظهره بيده الأخرى، فقال: خلقت هؤلاء للنار، وبعمل أهل النار يعملون). قال شيخ الإسلام رحمه الله: "فهذه الأحاديث وغيرها نصوص قاطعة لا تقبل التأويل، وقد تلقتها الأمة بالقبول والتصديق". ثم قال رحمه الله تعالى: "فهل يجوز أن يملأ الكتاب والسنة من ذكر اليد، وأن الله تعالى خلق بيده، وأن يديه مبسوطتان، وأن الملك بيده، وفي الحديث ما لا يحصى، ثم إن رسول الله ﷺ وأولي الأمر لا يبينون للناس إن هذا الكلام لا يراد به حقيقته ولا ظاهره، حتى ينشأ جهم بن صفوان -بعد انقراض عهد الصحابة- فيبين للناس ما نزل إليهم على نبيهم، ويتبعه عليه بشر بن غياث، ومن سلكوا سبيلهم من كل مغموص عليه بالنفاق؟ وكيف يجوز أن يعلمنا نبينا ﷺ كل شيء حتى (الخرأة)، ويقول: ما تركت من شيء يقربكم إلى الجنة إلا وحدثتكم به، تركتكم على البيضاء ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها بعدي إلا هالك، ثم يترك الكتاب المنزل عليه وسنته الغراء مملوءة مما يزعم الخصم أن ظاهره تشبيه وتجسيم، وإن اعتقاد ظاهره ضلال، وهو لا يبين ذلك ولا يوضحه؟ وكيف يجوز للسلف أن يقولوا: أمروها كما جاءت، مع أن معناها المجازي هو المراد، وهو شيء لا يفهمه العرب، حتى يكون أبناء الفرس والروم أعلم بلغة العرب من أبناء المهاجرين والأنصار؟!". أ. هـ. باختصار من (مجموع الفتاوى)، ج6، ص: 351 إلى 373. وبما ذكرنا، يتضح للجميع أن ما ذكره الشاب هو الصواب. ونسأل الله أن يهدي الجميع لإصابة الحق في القول والعمل؛ إنه سميع مجيب. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
فتاوى أخرى من مكتبتنا في الموضوع نفسه