هذا الموقع قيد المراجعة، لا تعتمد عليه في الأحكام النهائية.
السؤال
قال الله تعالى: وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللّهِ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُواْ أَنفُسَهُمْ جَآؤُوكَ فَاسْتَغْفَرُواْ اللّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُواْ اللّهَ تَوَّابًا رَّحِيمًا فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا [النساء:64-65]. والسؤال هو: أن بعض المسلمين يأخذون بهذه الآية، أنه لا حرج على المسلم أن يذهب ويشد الرحال إلى قبر الرسول ﷺ يسأله أن يستغفر له رسول الله وهو في قبره، فهل هذا العمل صحيح كما قال تعالى؟ وهل معنى (جاءوك) باللغة: أنه جاءوك في حياتك أم في موتك؟ وهل يرتد المسلم عن الإسلام إذا لم يحكم سنة رسول الله؟ وهل التشاجر على الدنيا أم على الدين؟
الجواب
هذه الآية الكريمة فيها حث الأمة على المجيء إليه إذا ظلموا أنفسهم بشيء من المعاصي، أو وقعوا فيما هو أكبر من ذلك من الشرك، أن يجيئوا إليه تائبين نادمين؛ حتى يستغفر لهم عليه الصلاة والسلام. والمراد بهذا المجيء: المجيء إليه في حياته ﷺ وهو يدعو المنافقين وغيرهم إلى أن يأتوا إليه ليعلنوا توبتهم ورجوعهم إلى الله، ويطلبوا منه عليه الصلاة والسلام أن يسأل الله أن يقبل توبتهم، وأن يصلح أحوالهم؛ ولهذا قال: وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللّهِ. فطاعة الرسول ﷺ إنما تكون بإذن الله؛ يعني الإذن الكوني القدري، فمن أذن الله له وأراد هدايته اهتدى، ومن لم يأذن الله في هدايته لم يهتد، فالأمر بيده سبحانه ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَن يَشَاء اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ [التكوير:29]. أما الإذن الشرعي، فقد أذن سبحانه لجميع الثقلين أن يهتدوا، وأراد منهم ذلك شرعًا، وأمرهم به، كما قال تعالى: يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُواْ رَبَّكُمُ [البقرة:21] وقال سبحانه: يُرِيدُ اللّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ
وهكذا بقية الأموات لا يُسألون شيئًا من هذه الأمور، بل يُدعى لهم ويُستغفر لهم إذا كانوا مسلمين، وإنما تطلب هذه الأمور من الله سبحانه مثل أن يقول المسلم: اللهم شفع فيَّ نبيك عليه الصلاة والسلام اللهم اشف مريضي، اللهم انصرني على عدوي، ونحو ذلك؛ لأنه سبحانه يقول: ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ [غافر:60]، ويقول : وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ الآية [البقرة:186]. أما قوله تعالى: فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ الآية [النساء:65]، فهي عامة على ظاهرها، فلا يجوز للمسلمين أن يخرجوا عن شريعة الله، بل يجب عليهم أن يحكموا شرع الله في كل شيء، فيما يتعلق بالعبادات، وفيما يتعلق بالمعاملات، وفي جميع الشئون الدينية والدنيوية؛ لكونها تعم الجميع، ولأن الله سبحانه يقول: أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللّهِ حُكْمًا لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ [المائدة:50]، ويقول: وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الكافرون [المائدة:44]، وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ [المائدة:45] وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ [المائدة:47]. فهذه الآيات عامة لجميع الشؤون التي يتنازع فيها الناس ويختلفون فيها؛ ولهذا قال سبحانه: فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ؛ يعني الناس من المسلمين وغيرهم حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ؛ يعني محمدًا ﷺ؛ وذلك بتحكيمه ﷺ حال حياته، وتحكيم سنته بعد وفاته. فالتحكيم لسنته هو التحكيم لما أنزل من القرآن والسنة فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ؛ أي: فيما تنازعوا فيه، هذا هو الواجب عليهم: أن يحكموا القرآن الكريم والرسول ﷺ في حياته وبعد وفاته باتباع سنته؛ التي هي بيان القرآن الكريم، وتفسير له، ودلالة على معانيه. أما قوله سبحانه: ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا فمعناه: أنه يجب أن تنشرح صدورهم لحكمه ﷺ وألا يبقى في صدورهم حرج مما قضى بحكمه عليه الصلاة والسلام؛ لأن حكمه هو الحق الذي لا ريب فيه، وهو حكم الله ، فالواجب التسليم له، وانشراح الصدر بذلك وعدم الحرج، بل عليهم أن يسلموا لذلك تسليمًا كاملًا؛ رضا بحكم الله واطمئنانًا إليه. هذا هو الواجب على جميع المسلمين فيما شجر بينهم من دعاوى وخصومات؛ سواء كانت متعلقة بالعبادات أو بالأموال أو بالأنكحة أو الطلاق، أو بغيرها من شؤونهم. وهذا الإيمان المنفي هو أصل الإيمان بالله ورسوله؛ بالنسبة إلى تحكيم الشريعة والرضا بها، والإيمان بأنها الحكم بين الناس، فلابد من هذا، فمن زعم أنه يجوز الحكم بغيرها، أو قال: إنه يجوز أن يتحاكم الناس إلى الآباء أو إلى الأجداد، أو إلى القوانين الوضعية التي وضعها الرجال -سواء كانت شرقية أو غربية- فمن زعم أن هذا يجوز فإن الإيمان منتف عنه، ويكون بذلك كافرًا كفرًا أكبر، فمن رأى أن شرع الله لا يجب تحكيمه، ولكن لو حكم كان أفضل، أو رأى أن القانون أفضل، أو رأى أن القانون يساوي حكم الله، فهو مرتد عن الإسلام، وهي ثلاثة أنواع: النوع الأول: أن يقول: إن الشرع أفضل، ولكن لا مانع من تحكيم غير الشرع. النوع الثاني: أن يقول: إن الشرع والقانون سواء، ولا فرق. النوع الثالث: أن يقول: إن القانون أفضل وأولى من الشرع، وهذا أقبح الثلاثة، وكلها كفر وردة عن الإسلام. أما الذي يرى أن الواجب تحكيم شرع الله، وأنه لا يجوز تحكيم القوانين ولا غيرها مما يخالف شرع الله، ولكنه قد يحكم بغير ما أنزل الله؛ لهوىً في نفسه ضد المحكوم عليه، أو لرشوة، أو لأمور سياسية، أو ما أشبه ذلك من الأسباب، وهو يعلم أنه ظالم ومخطئ ومخالف للشرع، فهذا يكون ناقص الإيمان، وقد انتفى في حقه كمال الإيمان الواجب، وهو بذلك يكون كافرًا كفرًا أصغر، وظالمًا ظلمًا أصغر، وفاسقًا فسقًا أصغر، كما صح معنى ذلك عن ابن عباس رضي الله عنهما، ومجاهد وجماعة من السلف رحمهم الله وهو قول أهل السنة والجماعة، خلافًا للخوارج والمعتزلة ومن سلك سبيلهم. والله المستعان.
فتاوى أخرى من مكتبتنا في الموضوع نفسه